العامة لهم صولة قد تغلب العلماء أحيانا !..نقل ابن رجب في ” ذيل طبقات الحنابلة” عن ابن السمعاني قوله : (سمعت أبا يعلى بن أبي حازم بن أبي يعلى بن الفراء الفقيه الحنبلي – يوم خرجنا إلى الصلاة على شيخنا أَبِي بَكْرِ بن عبد الباقي، ورأى ازدحام العوام، وتزاحمهم لحمل الجنازة – فقال أَبُو يعلى: العوام فيهم جهل عظيم. سمعتُ أنه في اليوم الذي مات فيه الشريف أَبُو جعفر حملوه ودفنوه في قبر الإمام أحمد، وما قدر أحد أن يقول لهم: لا تنبشوا قبر الإمام أحمد، وادفنوه بجنبه. فقال أَبُو محمد التميمي – من بين الجماعة – كيف تدفنونه في قبر الإمام أحمد بن حنبل وبنت أحمد مدفونة معه في القبر. فإن جاز دفنه مع الإمام لا يجوز دفنه مع ابنته. فقال بعض العوام: اسكتْ، فقد زوجنا بنت أحمد من الشريف، فسكت التميمي، وقال: ليس هذا يوم كلام..).
ويقال : أشد حوادث الدنيا عالم يجري عليه حكم جاهل..
وكانت ملوك الفرس إذا غضبت على عالم وأرادت عقوبته حبسته مع جاهل
وقد قيل :لا يرى الجاهل إلا مفرطاً أو مفرطا يسئ عمداً ويحسن غلطاً
أي أنه يسيء من حيث يريد الإحسان !
وقد ظهر اليوم أن مسارقضية الإساءة إلى المقام النبوي تتحكم فيه رغبة الجماهير والعامة أكثر مما تتحكم فيه مواقف العلماء..
بل إن مواقف الكثير من العلماء تبدو مرتعشة خشية الاتهام بمحاباة الإساءة للنبي صلى الله عليه وسلم..!
فنراهم يتكلمون في الموضوع ولكنهم “لا يخرجون خيطا من كُبّة” !
وإذا أردنا إبداء نظرة شرعية – لا تأخذ بعين الاعتبار غضبة الجماهير- ينبغي التفريق بين حالتين :
١-حالة المسيء المجاهر بالإساءة والمقر بها والمصر عليها..
٢-حالة الإساءة التي لم تثبت على شخص بعينه والمتهم بها ينكرها ولا يعترف بها ..
ففي الحالة الأولى لا نحتاج إلى إثبات الجريمة على الفاعل لأنه مقر بها ومعترف ومصر عليها..
فهذا هو الذي ينبغي أن تتحرك الجمهير للمطالبة بتطبيق الحكم الشرعي عليه..
وفي الحالة الثانية : نحن أمام متهم لا يقر بالجرم ولا يعترف به ، والقضية ما زالت مجرد تهمة ، فينبغي إحالتها إلى قضاء شرعي يحكم فيها بحكم الله عز وجل ،دون محاولة التأثير على القضاء..
وكما يراعى في هذا الباب حرمة النبي صلى الله عليه وسلم ينبغي أن تراعى حرمة المسلم ولا يرمى بجريرة إلا بعد ثبوتها عليه بالأدلة البينة والبراهين الساطعة .
وثبوت الإساءة على المتهمة في القضية التي بين أيدينا تحيط به الشكوك من عدة اعتبارات :
أولا : المتهمة لا تقر بالجريمة ولا تعترف بها.
ثانيا : لا بد من توفر شهادة معتبرة شرعا على أن الورقة هي ورقة المتهمة بالفعل،لأن وضع الأرقام السرية وإزالتها تعتريه الأخطاء أحيانا،واحتمال التغيير المتعمد ممكن من الناحية العملية إن توفرت الإرادة.
ثالثا : أهل المتهمة يقولون بأنها كانت ميالة للوحدة وظهرت عليها بعض الاضطرابات النفسية ..
مع العلم أن القلق والتوتر الذي يحدث للتلاميذ في الامتحانات ربما يتطور إلى اضطرابات نفسية خطيرة ،وهذا يحصل أحيانا ..
رابعا : لم يعرف عن المتهمة سابقة تدل على أنها تدين بأفكار إلحادية ،وأسرتها وبيئتها وسنها لا تدل كلها على اعتناقها لهذه الأفكار..
خامسا : بقاء المتهمة في بيتها بشكل طبيعي بعد نهاية الامتحان وبعد كشف الورقة إما ان يكون دليلا على انها ليست هي الفاعلة او انها في درجة من الاختلال العقلي .
ويحصل من هذه القرائن كلها أن التهمة مجرد شبهة وليست جريمة ثابتة في حق المتهمة ..
والمقرر عند أهل العلم أن الحدود تدرأ بالشبهات وهو المأثور عن جماعة من الصحابة ..
وقد روى ابن ماجه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ادفعوا الحدود ما وجدتم لها مدفعا).
وعن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أدرأوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الامام لان يخطئ في العفو خير له من أن يخطئ في العقوبة)، رواه الترمذي، وذكر أنه قد روي موقوفا، وأن الوقف أصح، قال: وقد روي عن غير واحد من الصحابة رضي الله عنهم أنهم قالوا مثل ذلك.
وروى ابن أبي شيبة في المصنف عن الحارث، عن إبراهيم، قال: قال عمر بن الخطاب: (لئن أعطل الحدود بالشبهات أحب إلي من أن أقيمها بالشبهات).
وروى ابن أبي شيبة كذلك عن إسحاق بن أبي فروة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه: أن معاذا، وعبد الله بن مسعود، وعقبة بن عامر، قالوا: (إذا اشتبه عليك الحد، فادرأه).
وهذا هو الذي ذهب إليه مالك فأسقط حد الإحصان عمن ادعى أنه لم يدخل بزوجته فقد جاء في المدونة :
( الرجل يزني وقد كان تزوج امرأة ودخل بها فأنكر مجامعتها قلت: أرأيت إن تزوج امرأة وتطاول مكثه معها بعد الدخول بها فشهدوا عليه بالزنا؟ فقال الرجل: ما جامعتها منذ دخلت عليها. قال: لم أسمع من مالك فيه شيئا إلا أن مالكا قال لي في شيء كلمته فيه، فقال: إنه يقال: ادرءوا الحدود بالشبهات. فهذا إذا لم يعلم أنه قد جامعها بعد طهر أو بإقراره أو بأمر سمع من الزوج بالإقرار بالوطء، فلا)انتهى.
وقال في المدونة أيضا : (من تزوج امرأة في عدتها أو على خالتها أو على عمتها عامدا لم يحد وعوقب).
ونص المالكية على أن المجنون الذي يفيق أحيانا يُحمل فعله لموجب الحد على أنه في فترة عدم الإفاقة درئا للحد ، فقد قال الخرشي في شرح المختصر:
(وانظر إذا شك في سرقة المجنون الذي يفيق أحيانا هل سرق في حال جنونه أو إفاقته؟ والظاهر حمله على الأول لحديث: “ادرءوا الحدود بالشبهات”).
ولهذا نص أهل العلم على أن الإمام قبل إقامة الحد عليه ان يستفصل عن كل المسقطات للحد ويتأكد من عدم وجودها ،وهذا هو ما كان يفعله النبي صلى الله عليه وسلم.
فقد روى أحمد وأصحاب السنن عن أبي أمية المخزومي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بلص اعترف اعترافا، ولم يوجد معه متاع، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما إخالك سرقت؟”.
وفي صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للذي أقرّ على نفسه بالزنى : “أبك جنون ؟”.
وفي المسند بسند صحيح عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لماعز حين قال: زنيتُ : ” لعلك غمزت، أو قبلت، أو نظرت إليها؟ ” قال: ” كأنه يخاف أن لا يدري ما الزنا”.
وهذا كله يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبحث لأصحاب الحدود عن أعذار يسقط بها عنهم الحد ..
ولكن الناس اليوم يبحثون لأصحاب الحدود عن أعذار يقيمون بها الحد!
كأنما يمتثلون قول الشاعر :
شدّ العصاب على البريء بما جنى … حتى يكون لغيره تنكيلا.
*****
الكثير من الناس يريد بصدق تطبيق الحد على المسيء لكنه لا يعرف طبيعة الحدود الإسلامية ربما لانه لم يشاهد في حياته حدا من حدود الله يطبق على الأرض !
فنراه يظن تطبيق الحدود مطابقا لمبدأ : “إن فعلت يفعل بك” ؛ والأمر بخلاف ذلك تماما ..
فالحدود الشرعية شرعت للزجر لا للانتقام ..
فهي تسعى الى زجر المكلف عن اقتراف الجرائم قبل وقوعها..
واما بعد الوقوع فإن الشريعة الإسلامية تتسامح في إيقاع العقوبة ،
ولهذا امر النبي صلى الله عليه وسلم من وقع في شيء من المخالفات التي توجب الحدود ان يستر نفسه ؛ فقد
روى مالك في الموطأ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
(من أصاب من هذه القاذورة شيئا، فليستتر بستر الله. فإنه من يبدي لنا صفحته، نقم عليه كتاب الله).
وفي صحيح البخاري عن انس قال :
(كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فجاءه رجل فقال يا رسول الله اني اصبت حدا ؛ فاقمه علىّ ؛ قال : ولم يساله عنه ؛ قال : وحضرت الصلاة فصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة قام اليه الرجل فقال يا رسول الله إني اصبت حدا فأقم فيّ كتاب الله قال : اليس قد صليت معنا قال نعم ؛ قال : فإن الله قد غفر لك ذنبك).
فلما لم يصرح الرجل بنوع الحد لم يستفصله النبي صلى الله عليه وسلم حتى لا تجب اقامة الحد عليه.
ومن امثلة التسامح في تنفيذ العقوبة أيضا : ذلك التشديد في قبول الشهادة كما هو الحال في شهادة الزنا التي من شرطها ان يكون الشاهد رأى دخول فرج الزاني في فرج الزانية كما يدخل المرود في المكحلة والرشاء في البئر .
وقد روى البيهقي في السنن وابن ابي شيبة وعبد الرزاق في المصنف والطبراني في الكبير والطحاوي في “شرح معنى الآثار” انه في عهد عمر رضي الله عنه شهد ثلاثة بالزنا انهم رأوه كما يدخل المرود في المكحلة؛ وقال الرابع : “احمي سمعي وبصري لم اره يهب فيها رأيت خصيتيه تضربان استها ورجلاها مثل أذني حمار”؛ فجلد عمر الثلاثة وخلى سبيل الرابع.
وقال الخطابي في معالم السنن :
(وقد روي تلقين السارق عن جماعة من الصحابة واتي عمر بن الخطاب رضي الله عنه برجل فساله أسرقت ؟
قل : لا .
فقال : لا ؛ فتركه ولم يقطعه؛ وروي مثل ذلك عن ابي الدرداء وابي هريرة ؛ وكان أحمد وإسحاق لا يريان بأسا بتلقين السارق إذا اتي به و كذلك قال ابو ثور إذا كان السارق امراة او مصعوقا).انتهى من معالم السنن.
و من خلال الشروط التي وضعتها الشريعة لإقامة الحد نلاحظ ان عدم الإقرار لا يكاد يشرع معه الحد في الغالب..
والمنهج الاسلامي في إقامة الحدود لا يسمح باعتبار الشبه والقرائن والادلة غير البينة مع عدم الإقرار ..
فقد روى البخاري من حديث ابن عباس خبر المُلاعَنة التي جاءت بالولد شبيها بمن اتهمت به ؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لو رجمتُ أحدا بغير بينة رجمت هذه).
وعلق الشوكاني على هذا الحديث بقوله : (لا يجب الحد بالتهم ولا شك ان إقامة الحد إضرار بمن لا بجوز الإضرار به وهو قبيح عقلا وشرعا فلا يجوز منه إلا ما أجازه الشارع كالحدود والقصاص وما أشبه ذلك بعد حصول اليقين لان مجرد الحدس والتهمة والشك مظنة للخطأ والغلط وما كان كذلك فلا يستباح به تأليم المسلم وإضراره بلا خلاف)انتهى من نيل الاوطار.
وقال محمد رأفت عثمان :
(يغلب على الظن عدم العمل بالقرائن في الحدود ومن أقوى الأدلة على ذلك ان القرينة مبنية على الشبهة والحدود تدرأ بالشبهات.) النظام القضائي في الفقه الإسلامي، ص : ٤٨٨.
وبهذا تعلم ان التشديد الكبير في عقوبات الحدود في الشريعة الاسلامية يقابله تساهل كبير في التنفيذ عند التطبيق.
خلافا لمنهج الوحوش الذين أقرّوا حقوق الإنسان بعد قتل اكثر من اربعين مليونا في الحرب العالمية الثانية..
******
والذي يظهر والله أعلم أن الإساءة في هذه القضية ينبغي أن يُدرأ فيها الحد لوجود الشبهة.
وقد نصت المادة 306 من القانون الجنائ الموريتاني (الممنوع من التطبيق) على أنه : في جميع الحالات التي يدرأ فيها الحد عن المتهم بالردة يمكن الحكم عليه بالعقوبات التعزيريةالمنصوص عليها.
لكن الإثم واللوم والتثريب يتوجه بالأساس إلى من قام بإظهار الورقة ونشرها بين الناس،فهذا الفعل تربت عليه مخالفتان :
الأولى : إظهار الإساءة بعد أن كانت خافية،والإساءة إلى النبي صلى الله عليه وسلم يجب سترها ، ولا يجوز إظهارها.
الثانية : الاضطرار إلى البحث عن الفاعل أو إيجاد كبش فداء في حالة عدم العثور عليه .
وقد يؤدي ذلك إلى ظلم بريء ..
وكان من الأجدرالتستر على الموضوع حتى يتم التعرف على الجاني على وجه اليقين، فمن العبث أن نقيم الدنيا ولا نقعدها ونبرز القضية للعلن وليس أمامنا من الخصوم إلا ورقة امتحان..!!
على أني أنبه الجمهور الكرام إلى أن هناك فرقا بين المطالبة بتطبيق شرع الله على المتهم ،والمطالبة بتطبيق القانون عليه ..
فالأول يعني أن يَحكم في المسألة المطروحة قاض من القضاة الشرعيين يُعمل فيها الاجتهاد وتحقيق المناط والنظر في المصلحة الشرعية ، ولا يتقيد في اجتهاده إلا بالشرع وقواعده ..
والثاني يعني الخضوع فقط لما نص عليه القانون دون نظرفي الأدلة أو المصلحة الشرعية .