المستعرضثقافي

ولد الزين يدعو لمراجعة المتون الفقهية المتعلقة بالرق

 دعا الدكتور الفقيه الشيخ ولد الزين لمراجعة مناهج تدريس المتون الفقهية فيما يتعلق بالرق، ووصفها ب”الضرورة الشرعية والواقعية”

وقد جاءت دعوة ولد الزين خلال محاضرة له:

نص المجاضرة:

نريد فى مبتدإ المداخلة أن نتواضع على مقدمات ممهدات فى هذا السياق

أولها ان مبدأ اصل مشروعية الرق والاسترقاق ليست محل تشكيك ولا يجوز ان تكون كذلك لأنه مما جاء فى القرآن الكريم تصريحا وليس تلميحا فقد قال تعالى يا ايها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص فى القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالانثى …الآية ..

ونص القرآن الكريم فى أكثر من آية على التفريق بين أحكام الأحرار وأحكام العبيد ..

وأما المقدمة الثانية فهي أنه يجب التفريق بين أصل مشروعية الرق والاسترقاق وبين واقع المشروعية أو مشروعية الواقع منه أو ما كان واقعا فى الازمنة الماضية وخصوصا فى المغر ب الاسلامي وشمال إفر يقيا ..

ينبغي فى سياق التأريخ للظاهرة الاعتراف بأن الرق كان فى الماضي من حقائق المجتمعات البشرية ولم يشذ عن ذلك مجتمع متحضر أو متخلف ..

ولم يكن الرق مجرد تسلط من الأقوياء على الضعفاء بل كان قناعة راسخة فى عقول الفلاسفة والمفكرين بل فى عقول الأرقاء انفسهم ..

لم يكن هناك حر يأمن على نفسه الاسترقاق وقصة استرقاق أصخمة ملك الحبشة ليست الا من شواهد ذلك ..

لقد كان انكسار جيش معين فى معركة معينة يحول الكثيرين من السادة الأحرار الى عبيد مسترقين !

 ولما جاء الاسلام – وإذا كان لم يلغ الرق دفعة واحدة- فإنه قد حاول سد جميع الابواب المؤدية اليه وفتح من النوافذ وحض على التحرير مما جعل العتق والتحرير فضيلة ما فوقها فضيلة ..

ليس فى القرآن الكريم آية واحدة تمجد ظاهرة الرق لكن هناك آيات تحث على الإحسان إليهم والنفقة عليهم ..

اعتبر الإسلام الإنسان من حيث هو مكرما ومحل تكريم الاهي فقال تعالى ولد كرمنا بني آدم ) وهذا التكريم غير منوط بالحرية أو العبودية ثم بين النبي صلى الله عليه وسلم أن الأرقاء بشر أمثالكم ملككم الله إياهم ولو شاء ملكهم إياكم ..

ولقد اعتبر الاسلام الحرية هي الأصل ولذلك قال عمر بن الخطاب

متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم احرارا ..

 ومن مظاهر تأسيس الفقهاء على هذا المبدإ أنه إذا تداعى رجلان على صبي وأحدهما رقيق مسلم والثاني حر كافر يعطي للكافر ترجيحا لمصلحة الحرية على الدين لأن الدين يمكن أن يتأجل حتى البلوغ والحرية غير قابلة لذلك ..

ولعل لقائل ان يقول إذا كان الاسلام فتح أبواب الحرية مشرعة فلماذا ظلت كتب الفقه ومدونات الإفتاء طافحة بفقه الاسترقاق ؟

والحقيقة ان هذا تساؤل له ما يبرره فلقد ظل فقه الحرية ضامرا وظل التخريج والقياس على مرتكز الحرية غائبا فى أغلب هذه المدونات ..

والحقيقة أنه من الظلم والحيف اعتبار مدونات مذهب مالك وحدها معنية بهذا التقصير بل هي حالة تعم المذاهب الفقهية بل تعم فقه التخريج على العموم ..

ناقش الفقهاء مسألة الرق ضمن عوارض الأهلية وهي صفة حكمية توجب لموصوفها حقوقا تجب له وأحقية فى الإلزام والإلتزام ..

ولقد عرف الفقهاء الرق بأنه عجز حكمي عن الولاية والشهادة والقضاء ومالكية المال ..

ولأنهم يعتبرونه مانعا فقد اعتبروا مجرد الشك فيه يجعله ملغى عديم التأثير ذلك لان الشك فى المانع يلغيه ويجعل الحكم يعود الى أصله ..

ولأن الاصل فى الانسان الحرية فقد شكك فقهاء كثيرون فى مشروعية الاسترقاق فى شمال افريقيا وذلك منذ قرون

فهذا العلامة أحمد بابا التنبكتي المتوفى 1032هجرية يقول فى متابه معراج الصعود ان اغلب القبائل الافريقية مسلمة لا يجوز استرقاقها بحال ..

ولقد تبعه فى هذا الفقيه محمد بن ابراهيم الجارمي حينما كتب رسالة سماها ( تنبيه الطغيان على حرمة السودان .).

وشنع الفقيه أحمد بن خالد الناصري المتوفى 1315هجرية صاحب الاستقصا قال :

( وبهذا يظهر لك شناعة ما عمت به البلوى ببلاد المغرب من لدن قديم الزمان من استرقاق أهل السودان مطلقا وجلب القطائع الكثيرة منهم فى كل سنة وبيعهم فى اسواق المغرب حاضرة وبادية واهل السودان قوم مسلمون فلهم ما لنا وعليهم ما علينا

ولو فرضنا أن فيهم من هو مشرك أو متدين بدين آخر غير الاسلام فالغالب عليهم اليوم وقبل اليوم بكثير إنما هو الاسلام والحكن للغالب ..)

وللاعتبارات السابقة ولأن الاصل هو الحرية فقد أصدر أحمد باشا باي تونس مرسوما بإلغاء الرق عام 1846 وقد أيده على ذلك كبار فقهاء تونس حينها من أمثال الشيخ محمد بيرم التونسي والشيخ ابراهيم الرياحي وغيرهم ..

ولأن مسوغات التحرير قائمة فإنه لم يعترض أحد من كبار فقهاء بلادنا على مبدإ إلغاء الرق فى موريتانيا عندما اقرته الحكومة الموريتانية بداية الثمانينيات من القرن الماضي ..

والآن وبعد ان تم الإلغاء هل توجد حاجة لتدريس أحكامه ؟

كنت قد قلت فيما مضى مقولة وهي أن تدريس بعض أبواب الفقه ليس من الفقه ذلك لأن الفقه بطبيعته احكام تراعي الواقع وعند تغير الواقع من الضروري أن تتغير تلك الأحكام ..

ولقد فطن لضرورة تغير المناهج فى التدريس والتأليف علماء قبلنا فحاولوا التأليف وفق مقتضيات حاجة المجتمع ..

فهذا محمد مولود صاحب الكفاف يغفل فى كتابه أحكام الجمعة وشراء الأهوية لأن زمانه لا يتطلب تدريسها فالجمعة إنما تحب على أهل المدن وهو يعيش فى بادية متنقلة فهو يقول :

مبينا لما به الفتوى تعم لأمر الأشياخ بأثرة الأهم

لا ما استبد فى البلاد النائية كالجمعات شراء الاهوية

ولقد حاول العلامة عبد الله ولد الحاج حمى الله الغلاوي تأليف مختصر لخليل يذكر فيه ما عليه العمل فى بلاد شنقيط ..

إن هناك أبوابا فقهية متعلقة بأحكام العتق والتدبير وأم الولد لم تعد من الفقه المعاش الذى يحتاجه العامة بل لا يحتاجه الخاصة فى بعض الاحيان ..

كما ان هناك مسائل وفروعا فقهية لم تعد الحاجة الى التنصيص عليها لفقد الواقع المتعلقة به ..

فمثلا فى احكام إمام الجمعة لا داعي لذكر الحرية كشرط فيه ما دام الناس كلهم أحرارا

ويمكن استبدال بيت ابن عاشر

وغير ذى فسق ولحن واقتدا فى جمعة حر مقيم عددا

فنقول مثلا

فى جمعة بر مقيم عددا

وفى أحكام ستر عورة المرأة لا داعي للتفريق بين الحرة والأمة ما دامت الحرية يتصف بها الجميع

فنقول فى بيت الاخضرى

والمراة عورة الا الوجها والكف فانجها لذاك نهجا

وهكذا نفعل فى احكام زكاة الفطر وفى اهلية الإشهاد والبيع وغيرها من العقود ..

لعل هذاا يكون مؤكدا إذا تعلق بتدريس مواد التربية الاسلامية فى الثانويات والجامعات بل و فى كافة المنابر فى بعض الأحيان ..

ذلك لان التنصيص على بعض هذه الفروع الفقهية قد يفهم منه عن قصد او بدونه استدعاء لواقع انتهى أو يفهم منه حنين لماض انتهى وتم تجاوزه

ولقد قال النابغة الغلاوي

فاحذر جمودك على ما فى الكتب فيما جرى عرف به بل منه تب

لأنه الضلال والإضلال وقد خلت من أهلها الأطلال

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

انواكشوط 5مايو 2024

الدكتور الشيخ ولد الزين ولد الامام

أستاذ أصول الفقه ومقاصد الشريعة

عضو المجلس الاسلامي الاعلى سابقا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى