رأي

حتى لا تستمر الأخطاء/ الدان الصديق

التداول السلمي للسلطة عبر الانتخابات مكسب ديمقراطي أصيل لا يفرّط فيه ولا يساوَم عليه
فهو ثمرة نضال طويل وضمانة أساسية للاستقرار وصمام أمان يمنع الانزلاق نحو الاستبداد لكن هذا المكسب في جوهره وجد من أجل الوطن ومصلحته العليا لا إرضاء للخارج ولا تسويقا لصورة ديمقراطية زائفة تُستهلك في الخطاب وتفرّغ في الواقع
ومن هذا المنطلق فإن النقاش حول تمديد المأموريات الرئاسية بسنتين أو ثلاث أو حتى مراجعة عددها لا ينبغي أن يختزل في الأشخاص ولا أن يحمل نوايا التمسك بالسلطة فالرئيس أيا كان مآله مغادرة الحكم آجلا أم عاجلا مهما طال الزمن فالقضية ليست في الرئيس بل في الوطن
إن من غير المنطقي بل من غير العادل للوطن أن نقضي سنوات في تشخيص الإشكالات ودراسة المشاريع ثم سنوات أخرى في البحث عن التمويل ورصده وحين تتهيأ لحظة التنفيذ أو تبدأ بالفعل تنتهي المأمورية ليأتي رئيس جديد بنظام جديد وفي الغالب بعقلية تقطع مع ما قبلها فتلعن سابقتها وتدفن مشاريعها ولو كانت في طور الإنجاز
بهذا المنطق لا نخسر أشخاصا بل نخسر الزمن الوطني ونهدر فرص التنمية وندخل في حلقة مفرغة من البدايات غير المكتملة
إن الوطن يستحق منا أن نمنح الأنظمة التي حازت ثقة الشعب وقتًا كافيًا لإنجاز استراتيجية متكاملة تُقاس نتائجها بالفعل لا بالشعارات تمديد المأموريات، في هذا السياق ليس انتصارا للسلطة بل انتصار للاستمرارية والتخطيط والعقلانية في إدارة الدولة
ولا يعني ذلك أبدا منح شيك على بياض لأي رئيس
فإن لم نرَ فيه أهلية للبناء فصندوق الاقتراع كفيل بإبعاده أما إذا كان جديرا بالثقة فكيف نسمح للوقت وحده أن يفسد برنامج البناء والازدهار بحجة مواد دستورية ليست نصوصًا مقدسة؟
نحن من صغناها من أجل الوطن ومن حق الوطن علينا بل من واجبنا أن نراجعها ونعدلها متى اقتضت مصلحته ذلك
لا ينبغي أن نُغَلِّب حب السلطة على حب الوطن كما لا ينبغي أن نغَلب الجمود القانوني على الحكمة السياسية. فالدساتير وُجدت لخدمة الأوطان لا لتقييد طموحاتها والوطن أكبر من الأشخاص وأبقى من المأموريات وأحق بأن نمنحه الفرصة كاملة لبناء مستقبله

وأخيرا أن طرحى هذا لايعني بأي حال من الأحوال دعوة جاهزة لتمديد المأموريات أو زيادة عددها بقدر ما هو تصويب للمسار ورسالة واضحة لمن بادروا مبكرا إلى إغلاق الأبواب أمام النقاش وكأن بعض القضايا محرّمة على التفكير أو محصّنة ضد الحوار
إن قناعتنا الراسخة هي أن الحوار الوطني المرتقب يجب أن يكون فضاء مفتوحا تطرح فيه كل القضايا دون استثناء وتناقَش فيه كل الخيارات بعقلٍ بارد ومسؤولية عالية فلا قداسة إلا للوطن ولا خطا أحمر ينبغي أن يرسم أمام ما يخدم مصلحته العليا ويحفظ سكينته واستقراره
تقديس النصوص حين يتحول إلى عائق أمام التنمية أو سبب للتوتر والانقسام لا يخدم الدولة ولا يحمي الديمقراطية بل يجمّدها
أما الحكمة فأن نبقي العقول مفتوحة والنيات صادقة وأن نحتكم دائما إلى ميزان المصلحة الوطنية حيثما كانت ومع من كانت

وعلينا جميعا أن نُغَلب حسن النية وأن نتحاور بصفاء القلوب وتجرد العقول بعيدا عن الشكوك المسبقة والحسابات الضيقة فلنجعل من حوارنا مطية للنهوض بالوطن لا ساحة لتصفية الخلافات ولا ميدانا لقياس الغلبة
فالوطن أكبر من الأسماء وأبقى من الأشخاصوولا يهم تحت قيادة من ننهض بقدر ما يهم أن ننهض معا وأن يكون الوطن هو الرابح الأول والأخير .

الأستاذ : الدان الصديق

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى