حذر الله تعالى من مجرد محبة شيوع الفاحشة في المؤمنين فقال :
{إِنَّ ٱلَّذِینَ یُحِبُّونَ أَن تَشِیعَ ٱلۡفَـٰحِشَةُ فِی ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِیمࣱ فِی ٱلدُّنۡیَا وَٱلۡـَٔاخِرَةِۚ}.
وجاء النهي عن إشاعة الشر والفساد فيما رواه البخاري في ” الأدب المفرد عن عليّ رضي الله عنه قال : ” القائل الفاحشة ، والذي يشيع بها : في الإثم سواء ” .
وروى ابن أبي حاتم في تفسيره عن عطاء قال : (من أشاع الفاحشة فعليه النكال وإن كان صادقا).
وعن شبيل بن عوفٍ قال : كان يقال : ” مَن سمع بفاحشة فأفشاها : فهو فيها كالذي أبداها ” .
ومن أوجب ما ينبغي ستره من الفواحش وعدم إظهاره: سب النبي صلى الله عليه وسلم وانتقاصه؛ فإن إشاعة ذلك فيه إساءة إلى النبي
صلى الله عليه وسلم؛ وفيه تحقيق لغرض من صدرت منه الإساءة ؛ وإعانة له في الوصول إلى مبتغاه.
ولا شك أن سب النبيّ صلى الله عليه وسلم تزداد مفسدته بحسب ذيوعه وشهرته .
ولا يعرف عن المسلمين نقل الاشعار التي كان الكفار يهجون بها النبي صلى الله عليه وسلم
مثل شعر سفيان بن الحارث بن عبد المطلب قبل إسلامه..
ومثل شعر كعب بن الأشرف الذي كان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم.
ومثل الشعر الذي كنت تغني به سارة مولاة عمرو بن هشام في مكة بهجائه صلى الله عليه وسلم .
ومثل شعر ابن خطل الذي كان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم.
ومثل شعر كعب ابن زهير الذي كان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم قبل إسلامه فلا يحفظ له إلا القصائد التي يمدح فيها النبي صلى الله عليه وسلم.
فقد ضاعت هذه الأشعار ولم تحفظ لان المسلمين لم يكونوا يتناقلون هجاء النبي صلى الله عليه وسلم. وهجاءه صلى الله عليه وسلم كفر ؛
وقد كان أهل العلم يزجرون عن حكاية الكفر فقد سأل رجل مالكا رحمه الله : عمن يقول : القرآن مخلوق ؟ فقال مالك رحمه الله : كافر فاقتلوه ؛ فقال الرجل: إنما حكيته عن غيري ؛ فقال مالك : إنما سمعناه منك !
وهذا على سبيل الزجر والتغليظ؛ وإلا فإن حكاية الكفر يأثم فاعلها ولا يكفر كما قال ولد ميابه في نظم نوازل الشيخ سيدي عبد الله:
ويأثم الحاكي عن اللّحّاني
تصحيف كِلْمَة من القرآن
ولا يُكَفّرُ به إذْ من حكَى
الاشراك لا يدعى بذاك مشركا
*****
وقد تجوز حكاية الكفر من باب الضرورة لأداء الشهادة بين يدي القاضي على من صدرت منه كلمة الكفر .
قال القاضي عياض في الشفا: سئل ابو محمد بن ابي زيد عن الشاهد يسمع مثل هذا في حق الله تعالى أيسعه ألا يؤدي شهادته قال : (إن رجا نفاذ الحكم بشهادته فليشهد وكذلك إن علم ان الحاكم لا يرى القتل بما شهد به ويرى والاستتابة والادب فليشهد ويلزمه ذلك.)
وإنما جازت حكاية الكفر هنا لضرورة الشهادة ..
ولهذا لا يجوز لأحد حكاية سب النبي صلى الله عليه وسلم كما قال القاضي في الشفا: (: فليس التفكه بعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم والتمضمض بسوء ذكره لأحد لا ذاكرا ولا آثرا لغير غرض شرعي مباح ).
وما جاز منه لضرورة الشهادة فالضرورة تقدر بقدرها ولا يزاد على موضع الشهادة.
فمن بلغه من ذلك شيء يجوز له ان يطلع عليه من يُحتاج اليه من الشهود ويجوز له ان يشهد به بين يدي القاضي.
وأما إشاعة الإساءة الى النبي صلى الله عليه وسلم بين الناس والعامة وإظهار ما كان منها خفيا وقراءة ما كان منها مكتوبا وإذاعته في وسائل الإعلام فليس في ذلك ضرورة ولا حاجة ولا مصلحة؛ بل هو المفسدة بعينها..
فمتى حصلت الإساءة الى النبي صلى الله عليه وسلم وجب علينا أمران :
الاول : البحث عن المسيء إن كان مجهولا ؛ ومعاقبته إن كان مجاهرا .
الثاني : كتم الإساءة والتحفظ عليها وعدم إظهارها للناس أو إطلاعهم عليها.
وقد جانب الصواب من ظن بأنه يمكن ان ينصر النبي صلى الله عليه وسلم بنشر الإساءة اليه وإظهارها أمام الناس ؛ فقد أساء هذا من حيث يريد الإحسان ؛ وضرّ من حيث يريد النفع .
والواجب على من اراد نصرة النبي صلى الله عليه وسلم ان يسأل أهل العلم ويرجع عليهم.
وأن يحذر ان يكون في نصرته للنبي مخالفة وخروج على الشرع.
وقد قال أهل العلم : ليكن أمرك بالمعروف معروفا ؛ ونهيك عن المنكر لا منكر فيه .
في عام 2006 أعادت صحيفة “شارلي إبدو” الفرنسية نشر الرسوم الدانماركية المسيئة للنبي صلى الله عليه وسلم ، وهي الرسوم التى أدت إلى أعمال احتجاج، ونتيجة لحالة الاستياء والاستهجان مما فعلته المجلة من إهانة وتطاول على المقدسات الإسلامية، وقامت مجموعة من الجمعيات الإسلامية بتقديم شكوى في إحدى المحاكم الفرنسية.
وفى يوم الأربعاء السابع من يناير 2015، قام الشقيقان كواتشي بالهجوم على مقر تلك الصحيفة فى باريس، وقتلوا أثني عشر شخصا.
وموجب التذكير بهذه القصة انّ الصحيفة كان دورها قاصرا على نشر الرسوم المسيئة للنبي صلى الله عليه وسلم.
فهل كان بإمكان الصحيفة ان تدافع عن نفسها وتقول بأنها لم تقم بنشر الرسوم المسيئة الا من أجل نصرة النبي صلى الله عليه وسلم ولكي يكون الناس على علم بالجريمة كما يدّعى ذلك بعض أنصار النصرة عندنا ؟؟
كيف يكون نشر الإساءة للنبي صلى الله عليه وسلم جريمة تستحق الاستنكار من العالم الإسلامي كله ؛ ومع ذلك يكون فينا من يعتبر نشر الإساءة نوعا من النصرة ؟ !!
محمد الامين ولد آقه
زر الذهاب إلى الأعلى