رأي

تنظيم مجال العقار والتعمير بين صرامة القانون وضمانات الحقوق/ سيد المختار كواد

تشهد السياسات العمومية في مجال العقار والتعمير خلال المرحلة الأخيرة تحوّلًا لافتًا، يعكس إرادة متزايدة لإعادة ضبط المجال الحضري ووضع حد للاختلالات المتراكمة التي طبعت هذا القطاع لسنوات. ويأتي هذا التوجه في سياق إصدار القانون رقم 2025-012 المعدِّل والمتمِّم لأحكام القانون رقم 2024-003، بما يحمله من مستجدات تروم تعزيز الحكامة في العقار والتعمير وربط المسؤولية بالمحاسبة.

فالتوسع العمراني غير المنظم، وما يرتبط به من إشكالات في تدبير العقار والتعمير، لا يمثل مجرد مخالفات فردية معزولة، بل يشكل تحديًا بنيويًا يمس سلامة التخطيط الحضري، ويؤثر على الولوج إلى الخدمات الأساسية، ويُربك جهود الدولة في تحقيق تنمية عمرانية متوازنة. ومن هذا المنطلق، فإن تدخل الإدارة في مجال العقار والتعمير يندرج ضمن واجب حماية المصلحة العامة وضمان احترام القواعد المنظمة.

غير أن خصوصية المرحلة الراهنة تكمن في أن هذا التدخل في العقار والتعمير لم يعد قائمًا على منطق الزجر فقط، بل أصبح مؤطرًا بمنظومة قانونية أكثر تكاملًا، تقوم على التدرج في الإجراءات، وتعزيز آليات المراقبة القبلية، وتوسيع إمكانيات التتبع التقني، من خلال إدخال أدوات حديثة مثل شهادة المطابقة ومكاتب المراقبة الفنية.

كما أن التعديلات التي مست نطاق تطبيق القانون ومفاهيمه الأساسية تعكس توجهًا نحو توحيد المرجعية القانونية في مجال العقار والتعمير، وضبط المفاهيم بما يحد من التأويلات ويعزز الأمن القانوني، سواء بالنسبة للإدارة أو للمواطنين. وهو ما يُعد عنصرًا حاسمًا في بناء الثقة في القاعدة القانونية وفي مؤسسات إنفاذها.

وفي هذا الإطار، فإن التصدي للبناء غير القانوني أو للاحتلال غير المشروع في مجال العقار والتعمير لا يمكن فصله عن مبدأ أساسي يتمثل في أن الحق في الملكية لا ينفصل عن واجب احترام قواعد التعمير. فالتوازن بين هذين البعدين هو الذي يضمن استدامة المجال الحضري، ويحول دون تحوله إلى فضاء للفوضى أو لتغليب المصالح الفردية الضيقة على حساب الصالح العام.

ومع ذلك، فإن نجاعة هذا التوجه في العقار والتعمير تظل رهينة بمدى الالتزام الصارم بالمساطر القانونية، خاصة تلك المتعلقة بالتبليغ، وتمكين المعنيين من حقوقهم في التسوية، وضمان وضوح الاختصاصات بين مختلف المتدخلين. فتعزيز فعالية الإدارة لا يتحقق فقط عبر الحزم، بل أيضًا عبر الالتزام الدقيق بقواعد الشرعية، بما يرسخ مصداقية التدخل العمومي ويحد من النزاعات.

خلاصة

إن الدينامية الحالية في مجال العقار والتعمير تمثل خطوة مهمة نحو إعادة تنظيم المجال الحضري على أسس قانونية أكثر صلابة. وهي دينامية تستدعي مواكبة جماعية، قوامها وعي المواطن بواجباته، والتزام الإدارة بمساطرها، بما يحقق معادلة ضرورية:
صرامة في تطبيق القانون، وعدالة في تنزيله في مجال العقار والتعمير.
بقلم: سيد المختار كواد
حاصل على ماستر في العقار والتعمير

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى