رؤيا بوست:… في كوبني، حيث تتسع المسافات بين القرى، ويكبر معها شعور الناس بالحاجة إلى من يتحدث باسمهم، اختار رجل مسن أن يمشي في الاتجاه المعاكس.
اسمه خطري.
رجل أنهكته السنون، ولم تُنهِ عزيمته. يقف أمام الإداريين كما يقف أمام الناس، بلا منصب ولا نفوذ ولا حماية سوى ما يعتقد أنه حق الناس في أن يجدوا من يقول لهم: هذا ليس عدلاً.
يصفه بعض المسؤولين، بحسب روايته، بأنه «مجنون»؛ بينما يرى فيه البسطاء، كما يقول، صوتاً لما لا يستطيعون قوله.
ولعل خطري نفسه لا يجد وصفاً لحاله أكثر دقة سوى ترانيم من الموروث الشعبي.
فقد تعلّم، كما يقول، أن الوقوف في وجه ما يراه ظلماً له ثمن: إقصاء، وتهميش، وطرد من محيط المسؤولين، وأحياناً ساعات في مخفر الشرطة.
يقول إن الأمر بدأ منذ سنوات، حين صار حضوره غير مرغوب فيه في المناسبات الرسمية. يُبعد عن الأماكن التي يزورها المسؤولون، ويُمنع أحياناً من الاقتراب من الاجتماعات، بل ويقول إنه اقتيد في مناسبات سابقة إلى الشرطة حتى تنتهي زيارة أحد المسؤولين.
لكن أكثر ما يؤلمه، على ما يبدو، ليس باباً أُغلق في وجهه، ولا ساعات قضاها في مركز للشرطة، وإنما أن يشعر بأن صوت الرجل البسيط يمكن أن يصبح عبئاً على من يفترض أن يسمعه.
وكان آخر فصول حكايته مع الخبز.
في بداية أغسطس الماضي، يقول خطري، ارتفع سعر خبز «أمبور لحطب» من 40 إلى 50 أوقية قديمة، من دون أن يلمس، بحسب ما تحقق منه، سعر الدقيق أو المواد الأساسية الداخلة في إنتاجه.
ذهب إلى الإدارة.
كان الحاكم في إجازة، فاستقبله الحاكم المساعد، ووعده بالنظر في القضية. ويقول خطري إن السلطات خلصت بعد ذلك إلى عدم وجود مبرر واضح للزيادة، فأعيد السعر إلى ما كان عليه.
لكن الهدوء لم يدم طويلاً.
بعد أيام، عاد السعر إلى الارتفاع.
عاد خطري بدوره إلى باب الإدارة، كأنه يدخل في معركة يعرف مسبقاً أنها أكبر من رغيف، وأبعد من عشر أواقٍ قديمة.
يقول إنه حضر اجتماعاً ضم الحاكم ووجهاء وفاعلين سياسيين في المقاطعة، وحين افتتح حديثه بموضوع ارتفاع سعر الخبز، فوجئ ــ وفق روايته ــ بأن حديثه لم يجد أذناً صاغية، بل تعرض للشتم والطرد.
خرج من المكتب.
لكن القصة، بالنسبة إليه، لم تنته عند الباب.
يقول إن أحد أفراد الشرطة تبعه واقتاده إلى المخفر، حيث أمضى عدة ساعات، رغم تقدمه في السن ووضعه الصحي.
وعندما خرج، عاد إلى الرجل الذي يقول إنه يمثل أعلى سلطة إدارية في المقاطعة.
لم يذهب إليه طالباً امتيازاً، ولا وظيفة، ولا قطعة أرض.
ذهب ليسأله سؤالاً واحداً:
لماذا أُعتقل وأنا لا أفعل أكثر من الدفاع عن الضعفاء؟
يقول إن الحاكم أجابه بأنه سيلتقيه لاحقاً، وأعطاه رقم هاتفه.
ومنذ ذلك اليوم، كما يروي خطري، ظل يحاول الاتصال.
لا جواب.
وظل الخبز مرتفع السعر.
وهنا تبدو المفارقة التي تختصر حكاية الرجل كلها:
خطري يطرق باب المسؤول بحثاً عن جواب، والمسؤول ــ بحسب روايته ــ يغلق الباب؛ أما رغيف الخبز، فيواصل الارتفاع.
قد يكون الرجل مزعجاً للإدارة، وقد يكون أسلوبه صدامياً، وقد تختلف معه في طريقته أو في بعض تفاصيل روايته؛ لكن شيئاً واحداً لا يمكن تجاهله في حكايته: أنه اختار أن يكون ذلك الصوت الذي يصر على العودة إلى الباب نفسه، كلما اعتقد أن هناك مظلمة لم تُسمع.
في زمن يبحث فيه كثيرون عن القرب من أصحاب القرار، اختار خطري ــ كما يقدم نفسه ــ أن يقف في الجهة الأخرى من الباب.
هناك، حيث لا ينتظره منصب ولا مكافأة.
فقط رغيف خبز… وصوت رجل مسن يرفض أن يصمت.
زر الذهاب إلى الأعلى