«خذ كأساً».. آخر كلمات سبقت اكتشاف مقتل رفيق السلاح في خنادق لكويرة “المعركة الموريتانية الخالصة”
2026-10-24
أحمد ولد شيح لعبيد
رؤيا بوست |بصوت يستحضر تفاصيل المعارك كما لو أنها وقعت بالأمس، يروي المحارب الموريتاني أحمد ولد شيخ لعبيد فصولا من المواجهات العسكرية التي شهدتها منطقة لكويرة، مستعيدا مشاهد القصف وحرب العصابات، ولحظات التقدم تحت نيران العدو، وسقوط رفاق السلاح في معركة ارتبطت بمرحلة بالغة الحساسية من تاريخ موريتانيا.
لا يتحدث ولد شيخ لعبيد عن وقائع بعيدة طواها الزمن، بقدر ما يستعيد تجربة لا تزال تفاصيلها حاضرة في ذاكرته؛ من طبيعة الأرض المكشوفة، إلى محدودية التسليح، مرورا باللحظات التي كان فيها الموت أقرب إلى الجنود من أي ملاذ آمن، وصولا إلى مشاهد الفقد التي بقيت محفورة في ذاكرة من عاشوا تلك المواجهات.
وتكتسب هذه الشهادة أهميتها من ارتباطها بمنطقة لكويرة، الواقعة على شبه جزيرة عند الحافة الأطلسية، جنوب شبه جزيرة الرأس الأبيض، في محيط جغرافي بالغ الحساسية بالنسبة إلى موريتانيا، بحكم موقعها وارتباطها بملفات الحدود والسيادة والتوازنات الإقليمية.
أرض مكشوفة.. ومعركة بلا ملاذ
يستعيد المحارب الموريتاني طبيعة الميدان الذي خاض فيه الجنود مواجهاتهم، واصفا أرضا منبسطة تفتقر إلى الأشجار والمرتفعات التي يمكن الاحتماء بها من نيران العدو، ما جعل التقدم في كثير من الأحيان مكشوفا، في ظل قصف مدفعي وبحري كثيف، وأجواء باردة وضبابية تحد من الرؤية.
ويقول إن التحصينات المتاحة لم تكن تتجاوز خنادق محدودة حفرها الجنود تحت القصف، في محاولة للاحتماء من النيران وانتظار اللحظة المناسبة للتقدم.
وعن الأسلحة التي كانت بحوزتهم، يسرد ولد شيخ لعبيد قائمة من العتاد الذي اعتمد عليه الجيش الموريتاني، من بينها بنادق رشاشة روسية وفرنسية، ورشاشات ثقيلة، وقذائف هاون عيار 60 و80 ملم، وقاذفات صاروخية.
ويستحضر تلك الظروف قائلا:
«لم نكن نمتلك من السلاح إلا PM روسي يحمل 70 طلقة، وPM فرنسي، و36، وMAS 49، وMAS 51، ورشاش AA52، وقذائف هاون 60 و80، وقاذفات صاروخية RBJ» بدون دعم من المدافع الثقيلة باستثناء دور ريادي للعقيد الطيار كادير الذي كان يقوم بالاستكشاف والإمداد والإخلاء في آن واحد.
ثم يضيف أن لكويرة كانت تتعرض لقصف مدفعي عنيف ، فيما كان البرد والضباب يزيدان المهمة صعوبة، ويجعلان الرؤية محدودة في ميدان لا يوفر للجنود سوى خيارات قليلة بين التقدم والمواجهة.
ويتابع: «كنا نهاجم من ناحية البحر، وكنت آنذاك دركيا من الدرجة الأولى، تحت إمرة الملازم اعل ولد المختار أمبارك».
حين يصبح التراجع مستحيلا
كانت بداية الهجوم واحدة من أكثر اللحظات قسوة في ذاكرة المحارب الموريتاني. فمع انطلاق التقدم، أصيب جنديان بنيران العدو وسقطا في البحر.
يستعيد ولد شيخ لعبيد المشهد بمرارة، متذكرا صوت أحد الجنديين وهو يصرخ ويذكر الله لدقائق، قبل أن ينقطع صوته ويختفي وسط أجواء المعركة.
لم يكن في وسع بقية الجنود التوقف؛ فالنيران مستمرة، والهجوم لم ينته، والمهمة تفرض عليهم مواصلة التقدم، مهما كانت الخسائر.
ويقول إنهم تابعوا الهجوم، قبل أن ينتقلوا، تحت قيادة الملازم المعلوم ولد اعلي، إلى مرحلة من الحصار والمواجهات استمرت، بحسب روايته، قرابة عشرين يوما.
عشرون يوما من الانتظار والترقب والاشتباكات، في أرض مفتوحة لا تمنح المقاتل فرصة حقيقية للاختباء، حيث يصبح كل تحرك محسوبا، وكل لحظة هدوء قابلة لأن تنتهي بقصف مفاجئ أو رصاصة لا تترك لصاحبها وقتا لاستيعاب ما حدث.
كأس شاي أخير.. ورفيق لم يجب
ومن بين المشاهد التي لا تزال حاضرة في ذاكرته، يروي ولد شيخ لعبيد واقعة تختصر قسوة الحرب، حين تحولت لحظة عادية لصنع الشاي إلى ذكرى لا تفارقه.
يقول إنه كان يعد الشاي بعد أن حفر الجنود خندقا طويلا، مستخدما علبا معدنية فارغة صنع منها كؤوسا وإبريقا. سكب لنفسه كأسا، ثم ملأ آخر لرفيق كان يجلس إلى جواره.
التفت إليه ومد له الكأس قائلا: خذ كأسا.
لكن رفيقه لم يجب.
وعندما التفت إليه ليتفقده، اكتشف أنه أصيب بطلق ناري في الرقبة، وأنه فارق الحياة.
لم يكن ثمة إنذار يسبق تلك اللحظة، ولا مشهد أخير يتيح الوداع. كان الرجل حاضرا قبل قليل، يجلس إلى جوار رفيقه في استراحة قصيرة بين لحظات الخطر، ثم أصبح جثة صامتة، بينما بقي كأس الشاي شاهدا على نهاية لم يتوقعها أحد.
في مثل هذه التفاصيل، لا تبدو الحرب مجرد خرائط وتحركات عسكرية أو أرقام للقتلى والجرحى؛ إنها أيضا حكايات الجنود الذين غادروا الحياة في لحظات عابرة، وذكريات رفاقهم الذين حملوا صورهم معهم لعقود طويلة.
من الحصار إلى اقتحام لكويرة
ويواصل ولد شيخ لعبيد روايته، مستحضرا تعرض المجموعة لهجوم قوي، انتهى بأسر جنديين موريتانيين.
لكن المواجهات لم تتوقف عند ذلك الحد؛ ففي صباح اليوم التالي، شنت القوات الموريتانية هجوما مضادا، يقول إنه أسفر عن مقتل عدد كبير من عناصر العدو، قبل دخول لكويرة والسيطرة عليها.
ويختصر تلك المرحلة بالقول:
«تعرضنا لهجوم قوي، وأُسر منا اثنان، وفي الصباح هاجمنا وقتلنا الكثير من العدو، ودخلنا لكويرة وحررناها».
وتظل هذه الرواية، بما تتضمنه من تفاصيل ميدانية، شهادة تستحق التوثيق والمقارنة بالمصادر العسكرية والتاريخية المتاحة، حتى تكتمل صورة المعارك التي شهدتها المنطقة، وتتضح تفاصيلها وسياقاتها بالنسبة إلى الأجيال الجديدة.
جريح يحمل رفيقه.. قبل أن يكتشف إصابته
وفي معركة أخرى، يستعيد المحارب الموريتاني مشهدا مختلفا، حين تعرض أحد رفاقه للإصابة، فبادر إلى جره بعيدا عن مرمى النيران.
كان الجندي المصاب ثقيلا، وكانت محاولة نقله تتطلب جهدا كبيرا في ظروف لا تسمح بالتوقف طويلا. وبعد أن وضعه خلف قربة ماء، أعطاه بندقيته الرشاشة الروسية، لأنها كانت ثقيلة عليه، وأخذ سلاح رفيقه بدلا منها.
لكن المفاجأة كانت تنتظره هو الآخر.
فقد شعر بثقل في ساقه، وعندما تفقدها، اكتشف أنه أصيب بطلق ناري في الفخذ، من دون أن ينتبه إلى إصابته وسط انشغاله بإنقاذ رفيقه.
هكذا يختصر المشهد طبيعة المعركة كما عاشها الجنود: مقاتل يحاول إنقاذ زميله، ولا يعلم أنه أصبح بدوره جريحا، فيما تستمر المواجهة ولا تمنح أحدا فرصة كافية للتوقف والتفكير في نفسه.
لكويرة.. ما وراء الجغرافيا
لا يمكن فصل هذه الشهادة عن السياق التاريخي والسياسي الذي جعل لكويرة منطقة حساسة في الذاكرة الموريتانية.
فالموقع الجغرافي للمنطقة، عند الطرف الجنوبي لشبه جزيرة الرأس الأبيض، قرب مدينة نواذيبو، جعلها مرتبطة بحسابات الحدود والنفوذ والتحولات التي شهدتها المنطقة خلال العقود الماضية، ولا سيما في ظل النزاع حول الصحراء الغربية.
وفي تلك المرحلة، كانت موريتانيا تخوض حربا مكلفة في ظل ظروف عسكرية واقتصادية صعبة، فيما كانت العلاقة مع المغرب محكومة بتحالفات وتفاهمات فرضتها تطورات الصراع آنذاك.
ويستدعي الحديث عن لكويرة أيضا ملف الوجود العسكري والسيطرة على المنطقة، وما ارتبط به من ترتيبات سياسية وعسكرية بين الأطراف المعنية. أما القول إن موريتانيا أصرت على إخلاء المنطقة من القوات المغربية المتحالفة معها آنذاك، فيحتاج إلى توثيق تاريخي يحدد طبيعة القرار وتاريخه والجهة التي اتخذته، قبل تقديمه بوصفه واقعة محسومة.
إن أهمية لكويرة بالنسبة إلى موريتانيا لا تختزل في مساحة جغرافية أو موقع على الخريطة؛ بل تتصل بما تحمله المنطقة من دلالات سيادية وأمنية وتاريخية، وبما تثيره من أسئلة حول حدود المسؤولية الوطنية، وكلفة الحروب، ومآلات التحالفات الإقليمية.
كما أن الحديث عن الوجود العسكري الموريتاني في محيط المنطقة على مدى عقود، وصولا إلى ما يقارب خمسين عاما وفق الروايات المتداولة، يستدعي التمييز بين الوجود العسكري في المنطقة الأوسع، والسيطرة الفعلية على لكويرة نفسها، والتطورات التي طرأت على وضعها السياسي والعسكري عبر الزمن.
ذاكرة الجنود.. أمانة للأجيال
في ختام شهادته، يعود أحمد ولد شيخ لعبيد إلى المعنى الذي بقي راسخا لديه بعد سنوات طويلة من المعارك: أن دماء الجنود الذين سقطوا دفاعا عن الأرض ليست تفصيلا عابرا في تاريخ البلاد، ولا يجوز أن تتحول تضحياتهم إلى مجرد ذكريات تُستحضر في المناسبات.
ويؤكد أن دماء رفاقه وإخوته الذين سقطوا دفاعا عن الحوزة الترابية تمثل قيمة مقدسة، وأن ما قدموه يجب ألا يذهب هدرا.
فخلف كل معركة اسم جندي، وخلف كل اسم عائلة انتظرت عودة ابنها، وخلف كل رواية عن النصر أو الانسحاب أو الحصار حكايات لأشخاص عاشوا الخوف والفقد والإصابة، ثم حملوا ذاكرتهم معهم إلى ما بعد الحرب.
ومن هنا تبرز أهمية توثيق شهادات المحاربين الموريتانيين الذين شاركوا في معارك تلك المرحلة، وجمع رواياتهم ومقارنتها بالوثائق العسكرية والأرشيفات التاريخية، قبل أن تضيع التفاصيل برحيل أصحابها.
فالتاريخ لا يُكتب بالخرائط وحدها، ولا بالبيانات الرسمية فقط؛ بل أيضا بأصوات الجنود الذين عاشوا المعارك، وشاهدوا رفاقهم يسقطون، وعادوا يحملون في ذاكرتهم تفاصيل لا تستطيع السنوات محوها.
ولعل شهادة أحمد ولد شيخ لعبيد تذكير بأن وراء كل حديث عن لكويرة تاريخا من التضحيات والأسئلة التي تستحق البحث والتوثيق، وأن الوفاء للذين سقطوا دفاعا عن موريتانيا يبدأ بحفظ ذاكرتهم، وفهم ما جرى، ونقل الحقيقة إلى الأجيال القادمة.