لم يعد الحديث عن مكافحة الفساد ترفًا سياسيًا أو شعارًا أخلاقيًا، بل أصبح خيارًا سياديًا حاسمًا تفرضه تحولات الاقتصاد العالمي ومعايير التنافسية الدولية. وفي هذا السياق، يأتي القانون رقم 023-2025 المنشئ للسلطة الوطنية لمكافحة الفساد ليؤسس لمرحلة جديدة في مسار بناء دولة المؤسسات وترسيخ قواعد الحكامة الرشيدة في موريتانيا.
إن جوهر هذا القانون يتجاوز المقاربة التقليدية التي تختزل مكافحة الفساد في المتابعة والعقاب، ليؤسس لمنظومة متكاملة قوامها الوقاية، والشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة. فهو ينقل الفعل العمومي من رد الفعل إلى الفعل الاستباقي، عبر آليات للرصد المبكر، وتعزيز الرقابة، وإرساء قواعد واضحة لتسيير الصفقات العمومية، بما يحد من بيئات الريع ويضيق هامش الاختلالات.
غير أن الأهمية الحقيقية لهذا القانون لا تكمن فقط في بنيته التنظيمية، بل في آثاره الاقتصادية العميقة. فالتجارب الدولية تؤكد أن الاستثمار لا يتجه نحو البيئات الغامضة أو غير المستقرة، بل يبحث عن أنظمة قانونية واضحة، ومؤسسات موثوقة، وضمانات فعلية لعدالة المنافسة. ومن هنا، فإن مكافحة الفساد تمثل المدخل الأكثر فاعلية لبناء مناخ استثماري جاذب، يعزز ثقة المستثمرين ويحفز تدفق رؤوس الأموال.
وفي هذا الإطار، تبرز الحاجة الملحة إلى إشراك الخبراء والباحثين المتخصصين في الاستراتيجيات المعاصرة وتحليل السياسات العامة. فهؤلاء لا يقتصر دورهم على التشخيص النظري، بل يمتد إلى تصميم حلول عملية قادرة على تحويل مبادئ الشفافية إلى أدوات اقتصادية ملموسة. إنهم حلقة الوصل بين النص القانوني والواقع التنموي، بما يمتلكونه من قدرة على قراءة التحولات الدولية، واستشراف الفرص، واقتراح سياسات مبتكرة لتعبئة الموارد الوطنية وجذب الاستثمارات.
كما أن إدماج هذه الكفاءات ضمن منظومة مكافحة الفساد يتيح الانتقال من منطق “الحماية” إلى منطق “الإنتاج”، أي تحويل النزاهة إلى قيمة مضافة اقتصادية. فكل إجراء يعزز الشفافية هو في جوهره رسالة طمأنة للمستثمر، وكل إصلاح يقلص الفساد هو توسيع لدائرة الثقة، وكل سياسة محكمة لتعبئة الموارد هي خطوة نحو تقليل الاعتماد على الخارج وتعزيز السيادة الاقتصادية.
إن الرهان اليوم لم يعد فقط في إنشاء المؤسسات، بل في حسن توظيفها وتغذيتها بالكفاءات القادرة على تحقيق أهدافها. فالقوانين، مهما بلغت قوتها، تبقى نصوصًا جامدة ما لم تجد من يحسن تنزيلها في الواقع برؤية استراتيجية وعقلية إصلاحية.
وعليه، فإن نجاح السلطة الوطنية لمكافحة الفساد سيقاس بمدى قدرتها على التحول إلى منصة وطنية لتكامل الجهود بين الدولة والخبراء، وبين القانون والاقتصاد، وبين النزاهة والتنمية. عندها فقط يمكن القول إن موريتانيا لم تخطُ خطوة في محاربة الفساد فحسب، بل وضعت حجر الأساس لاقتصاد أكثر شفافية، وأكثر جاذبية، وأكثر قدرة على المنافسة في عالم لا يعترف إلا بالدول التي تحسن إدارة مواردها وتكسب ثقة شركائها.
إنها لحظة تأسيس حقيقية: إما أن نجعل من مكافحة الفساد عبئًا إداريًا، أو نحولها إلى فرصة تاريخية لبناء اقتصاد قوي، جاذب، وعادل.
زر الذهاب إلى الأعلى