المستعرضبيئة

شركة آرما للنظافة بنواكشوط… من مواجهة تراكم النفايات إلى بناء منظومة متكاملة

تُعد نظافة المدن أحد أهم المؤشرات على جودة الحياة وكفاءة الخدمات العمومية، كما أنها ترتبط ارتباطاً مباشراً بالصحة العامة والبيئة وجاذبية الاستثمار. وفي مدينة مثل نواكشوط، التي تشهد توسعاً عمرانياً وسكانياً متسارعاً، تحولت إدارة النفايات إلى تحدٍ يومي يتطلب إمكانات كبيرة، وتخطيطاً دقيقاً، وشراكة حقيقية بين المؤسسات والمواطنين.
وجاءت تجربة شركة آرما لتشكل محطة مهمة في مسار تطوير خدمات النظافة في العاصمة، من خلال الانتقال من أسلوب التدخل المحدود إلى منظومة حديثة تعتمد على التخطيط، والآليات المتطورة، والموارد البشرية، والتنسيق الإداري، والتواصل مع المجتمع.

• نواكشوط قبل آرما… تحديات تراكم النفايات

قبل بدء عمل الشركة، كانت العاصمة تعاني من تراكم النفايات في عدد من الأحياء والأسواق والساحات العامة، نتيجة النمو السكاني الكبير واتساع الرقعة العمرانية، مقابل محدودية الوسائل المتاحة لجمع النفايات ونقلها.
وكانت شكاوى المواطنين تتكرر بشأن انتشار المكبات العشوائية، وتأخر رفع القمامة، وانبعاث الروائح الكريهة، خاصة خلال فصل الصيف، فضلاً عن التأثيرات الصحية والبيئية التي تترتب على ذلك.
وقد فرض هذا الواقع ضرورة البحث عن نموذج جديد أكثر قدرة على مواكبة احتياجات العاصمة المتزايدة.

 بداية العقد… مسؤولية بحجم العاصمة

مع انطلاق شركة آرما، لم يكن التحدي يقتصر على جمع النفايات فقط، بل كان يتمثل في بناء منظومة متكاملة تخدم مدينة تمتد على مساحة واسعة، تضم عشرات الأحياء والأسواق والمرافق العمومية.
فالعاصمة نواكشوط ليست مجرد مدينة واحدة، بل تجمع حضري كبير تختلف فيه الكثافة السكانية وأنماط السكن ومستويات إنتاج النفايات بين حي وآخر، الأمر الذي يتطلب مرونة في التخطيط وسرعة في التدخل.

 تحدٍ آخر… مسلكيات المجتمع

ورغم أهمية توفير المعدات والآليات، فإن نجاح أي منظومة للنظافة يبقى مرتبطاً بسلوك المواطنين.
فلا تزال بعض الممارسات تمثل تحدياً يومياً، من بينها:

o رمي النفايات خارج الحاويات.
o التخلص من القمامة في غير الأوقات المحددة.
o إنشاء مكبات عشوائية.
o عدم المحافظة على الحاويات.
o حرق النفايات في بعض المناطق.
وهذه السلوكيات تزيد من الضغط على فرق النظافة، وتستهلك وقتاً وموارد كان يمكن توجيهها لتحسين الخدمة.

 خطة تشغيل تعتمد على التخطيط

اعتمدت شركة آرما منذ البداية على خطة تشغيل تقوم على توزيع العمل جغرافياً وزمنياً، بحيث تغطي عمليات جمع النفايات مختلف مقاطعات العاصمة وفق برنامج يومي يراعي كثافة السكان وحجم النفايات المنتجة.
كما تعتمد الشركة على المتابعة المستمرة لحركة الآليات، والتدخل السريع في النقاط التي تشهد ضغطاً أكبر، مع مراجعة خطط العمل بصورة دورية.

 أسطول متكامل من المعدات

ولتنفيذ هذه الخطة، وفرت الشركة بنية لوجستية كبيرة، تضم:
 الحاويات

• 550 حاوية بسعة 6 ميتر مكعب.
• 550 حاوية بسعة 16 متر مكعب.
• 1130 حاوية بسعة 360 متر مكعبً.
• 71 حاوية قمامة مخصصة للشواطئ.
• 1206 حاوية بسعة 770 لتر

 الآليات

• 12 شاحنة بسعة 16 متر مكعب مخصصة لنقل الحاويات الكبيرة.
• 19 شاحنة Ben TP حاويات المفتوحة.
• 11 شاحنة نصف مقطورة.
• 12 كاسحات رمل
• 09 جرافات كبيرة
• 41 شاحنة مخصصة لنقل النفايات إلى مركز الطمر الفني.

ويشكل هذا الأسطول العمود الفقري لعمليات النظافة اليومية في العاصمة.

 الكادر البشري… أساس النجاح
• 1179 بين الطاقم الإداري والفنيين، والمراقبين، وعمال ميدانيين.

لا تعتمد الشركة على المعدات وحدها، بل على كادر بشري يعمل على مدار الساعة، يضم فرقاً ميدانية وسائقين ومراقبين ومهندسين وإداريين.
ويقوم هؤلاء بتنفيذ برامج العمل اليومية، ومراقبة الأداء، والاستجابة للشكاوى، وضمان استمرارية الخدمة.

 شراكة مع السلطات الإدارية والبلديات

نجاح العمل الميداني يتطلب تنسيقاً دائماً مع مختلف الجهات الرسمية.
ولهذا تعمل الشركة بالتعاون مع:
 الولاة.
 الحكام.
 البلديات.
 المصالح الفنية.
 الجهات الأمنية عند الحاجة.

ويساعد هذا التنسيق في معالجة الإشكالات الميدانية، وتنظيم حملات النظافة، والاستجابة السريعة للحالات الطارئة.

 الإعلام والتوعية… شريك في النظافة

أدركت الشركة منذ البداية أن إدارة النفايات ليست مسؤولية فنية فقط، بل هي أيضاً قضية سلوك مجتمعي.

 ولهذا وضعت خطة إعلامية تهدف إلى:

 نشر ثقافة المحافظة على النظافة.
 تشجيع استخدام الحاويات.
 توعية المواطنين بأوقات إخراج النفايات.
 تعزيز الشراكة مع المجتمع المدني.
 الاستفادة من وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي.
فالوعي المجتمعي يظل أقل تكلفة وأكثر فاعلية من معالجة آثار السلوكيات السلبية.

 إدارة المكبات وفق خصوصية العاصمة
تعتمد آرما في إدارة النفايات على مقاربة تراعي خصوصية نواكشوط، سواء من حيث طبيعة الأحياء، أو الامتداد العمراني، أو العوامل المناخية، أو الكثافة السكانية.

كما تعمل على تنظيم نقاط التجميع، وإدارة المكبات، وتحسين عمليات النقل والطمر، بما يحد من التأثيرات البيئية ويضمن استدامة الخدمة.

 تراكم الخبرة والتطوير المستمر

ومن أبرز نقاط القوة في تجربة الشركة حرصها على توثيق أعمالها بصورة مستمرة، والاستفادة من التجارب اليومية لتطوير الأداء.
فكل حملة ميدانية، وكل تحدٍ، وكل ملاحظة من المواطنين، تشكل فرصة لتحسين آليات العمل ورفع مستوى الخدمة.
كما أن الانفتاح على المواطنين والاستماع إلى ملاحظاتهم يسهم في بناء علاقة قائمة على الثقة والشراكة، ويجعل المواطن جزءاً من الحل لا مجرد مستفيد من الخدمة.

لقد أثبتت تجربة شركة آرما أن تحسين نظافة العاصمة لا يتحقق فقط بتوفير الشاحنات والحاويات، وإنما ببناء منظومة متكاملة تجمع بين التخطيط والإدارة والكفاءة البشرية والتنسيق المؤسسي والتوعية المجتمعية.
ورغم ما تحقق من تقدم، فإن نجاح هذه المنظومة سيظل رهيناً بتعاون الجميع. فالشركة تستطيع جمع النفايات، والدولة تستطيع توفير الإمكانات، لكن الحفاظ على نظافة نواكشوط يبدأ من سلوك كل مواطن، ومن إيمانه بأن المدينة النظيفة مسؤولية مشتركة، وأن احترام الفضاء العام هو عنوان حضارة المجتمع ورقيه.

خالد مولاي إدريس

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى