المستعرضكتابنا

حكومة أم سُرادق عزاء/ المامي ولد جدو

لكثرة الكوارث والآلام التي عاشتها العائلات المنكوبة لم نعد نعرف ما إذا كنا أمام حكومة أم خيمة عزاء، فبينما تدفن العائلات الموريتانية ابنائها من كوارث الطرق وحفر التنقيب أو حرائق الأكواخ، والإهمال الطبي، والطعن بالمدي…

تبدي الحكومة أسفها ويصل أعضائها حتى قبل وصول سيارات الإسعاف.

هكذا يتم تقديم الدعم النفسي السريع، ويسمع المتألمون لفقد أحبتهم كلمات العزاء المنسابة  من قبيل “البركة بكم” ،”جعلها الله آخر المصائب” و”عوضكم الله خيرا” لكن من هو المسئول عن حالهم؟

كانت الاستجابة سريعة لتضميد جراح العائلة التي فقدت أبنائها في حريق دار النعيم، حيث أمر رئيس البلاد ببناء منزل لأسرة البواب، التي قضى أطفالها الخمسة في محرقة جماعية، وسط كوخ ملفوف بالقماش المهترئ.

ووصل رأس الحكومة وجثى على ركبتيه، وعلامات التأثر بادية على محياه من هول الحادثة، مواسيا لمعيل لم تعد له عائلة، جلس بجواره يخالف عبراته المحسورة.

وضج الحي بالمسئولين والمنتخبين والصحافة والفضوليين، في مكان اصبح أثرا بعد عين، لا ترى فيه سوى رمادا لعريش كان دافئا ذات يوم، وقصاصات محترقة من كتب الأطفال، ناموا ملئ جفونهم وهم يحلمون بيوم دراسي دافئ في فصول مدرستهم.

مجددا تعالت المطالب بضرورة سن قوانين رادعة لتنظيم الأسرة بعد أن كشفت المأساة أن والد الاطفال الضحايا طلق أمهم وتركهم، بحثا عن حظه العاثر مع سيدة أخرى.

وبعد هبةِ الحكومة تبرع موريتانيون متضامنون مع الأسرة -وهم بطبعهم متضامنون في ما بينهم- ولولا تضامنهم لمات أغلبهم جوعا ومرضا.
إلا أنه من المؤسف أن ندفع من جيوبنا لتسديد أخطاء الأنظمة المتعاقبة على البلاد، والمسئولين اللذين يقصرون في أداء مسؤولياتهم.
ونريد كذلك أن نرى المسئولين عن هذه الكوارث يساقون إلى السجون بسبب استهتارهم بحياة الناس في تعبيد الطرق الرديئة، وأسلاك الكهرباء الحاسرة في الطرقات، وفوق أسقف المنازل، والمستشفيات التي تجد فيها القطط السائبة راحتها أكثر من المرضى، والمدارس التي تسقط نوافذها، وأبوابها، وجدرانها، قبل اكتمال العام الدراسي.

 حتى يتعلم من سيأتي بعدهم أن الاستهتار بأرواح وسلامة المواطنين يقود مباشرة نحو فقدان الحرية، لأنهم حكومة وليسوا طبيبا بعد الموت.
ننتظر أن يُقدِم مسؤول واحد استقالته، أو يُقدَّم للمحاسبة بسبب فاجعة ألمت بنا، ويتحمل المسؤولية عن هلاك المسافرين، ولفظ المرضى لأنفاسهم الأخيرة بسبب رادءة خدمة المصحات.

من الطبيعي أن لا نلغي مسؤولية المواطن عن ما يحدث له، وأن لا نرفع شعار الدولة هي السبب فقط، لكن الحكومة تتحمل المسؤولية دائما في “الهلاك” الجماعي، وعليها أن تعلم بأنه ليس بالدعاء والتعزية وحدها يمكن أن نتجنب حدوث تلك الكوارث.

نتمنى أن تعطي مأساة  “عائلة البواب” درسا في حسن العزاء الذي قدمته الحكومة، وحسن الاعتراف بالتقصير من سابقيها من الحكومات، بانتظار غدا أفضل لا يكون  على الأسر الموريتانية فيه أن تفقد أبنائها الخمسة حتى تحصل على سكن لائق  .

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى