المستعرضكتابنا

الُرماة الموريتانيون في الحرب العالمية الأولى/ المامي ولد جدو

لعل متحف فردان الذي يحوي آلاف الجماجم ورفات القتلى من بينهم جنود موريتانيون من الكتيبة الثانية عشرة السنغالية بالجيش الفرنسي شاركوا في هذا المعمعان بين القوى الاستعمارية، واللذين يبلغ عددهم في الحرب العالمية الأولى -حسب إحالات بعض المؤرخين واعتمادا على سجلات وزارة الدفاع الفرنسية- 273 من المحاربين اللذين قضوا في تلك الحرب التي لا ناقة لهم فيها ولا جمل.

جل هؤلاء الرماة كان يعمل في رعي الماشية أو الزراعة، ولا  يجيد حتى الطريقة التي يمسك بها البندقية ويصوبها نحو الهدف، فإذا بهم غارقين في وحل الخنادق واجسامهم مغطاة بالثلج، واياديهم ترتعش وهي تحمل البنادق في انتظار ساعة الصفر .

فأي بشاعة فرنسية قادتهم لحرب ضرورس اكلتهم كما تأكل النار الهشيم؟.

اليوم تحتفل فرنسا بمرور قرن على نهاية الحرب العالمية الأولى 1918 ، وهي مناسبة استغلها الرئيس الفرنسي للإشادة بالمحاربين الأفارقة في الجيش الفرنسي قائلا بأنهم جاءوا للدفاع عن قيم فرنسا، لكنهم في واقع الأمر أقحموا عنوة من قبل مستعمريهم، وجلبتهم فرنسا للموت على أرضها بعد أن قتلتهم في أرضهم، و سرقت بلدانهم ونكلت بشعوبهم في حقبة استعمارية مقيتة وعار على جبين الإنسانية.

فرنسا المكرونية اليوم تحاول في مئوية “هدنة الحرب” رسم صورة للمُستعمِر، والمُستعمَر وهم في خندق واحد أصدقاء السلاح، و مسح جزء من الغبار عن تاريخ أشلاء الافارقة اللذين ماتوا في أحسن الأحوال من البرد، أو بسبب انتشار الأوبئة في حفر الخنادق احتماء من نيران مدفعية الرايخ الثالث، وهم في مقدمة الجيش الفرنسي الذي كان يدفع بهم لتحرير أراضي فرنسية فشل الفرنسيون في انتزاعها من جيوش هتلر، ويراقبهم ماريشالات فرنسا عن بعد عبر المناظير.

ما فعلته فرنسا بالشعوب الافريقية عار على جبين الأمة الفرنسية المتحضرة، والتي تم بناء حضارتها واقتصادها على اشلاء وجماجم الافارقة وثرواتهم المنهوبة.

نتذكر مقولة  مارين لوبان عندما فازت فرنسا على المانيا في كأس أوروبا 2016  “فاز المحاربون السنغاليون” في إشارة عنصرية  واضحة  إلى أن جل لاعبي المنتخب الفرنسي وأبرز نجومه من أصول افريقية.

المؤكد أن الافارقة جلبوا النصر لفرنسا في الميدان الرياضي، ودافعوا عنها مرغمين في الحرب، مكره أخاك لا بطل عكس ما ذهب إليه الرئيس الفرنسي اليوم خلال خطابه أمام قبر الجندي المجهول.

لكن ما خلفته فرنسا لنا هنا في موريتانيا هو أن “گوميات” خلقوا لنا جيلا فرانكفونيا مرتبطا مشيميا بالاستعمار وثقافته من ابنائهم، يلعن تاريخ المقاومة ضد فرنسا التي استلبت منهم جذورهم وأصبح الاتيكيت الفرنسي اهم من ثقافتهم الأم.

وهنا تحضرني مقولة أحد الاساتذة التونسيين في ندوة تم تنظيمها حول تجربة ليبيا في اعتذار إيطاليا للشعب الليبي وجبر ذاكرة الاستعمار الفاشستي وتقديم تعويضات قدرت ب20 مليار دولار حيث قال المحاضر :”انتم الموريتانيون تقولون بأن فرنسا تركت لكم أطول قطار في العالم، لكن الحقيقة أنها اخترعت اسرع وسيلة لسرقة ثرواتكم”.

ولا تزال هناك حرب ضروس تدور  بين الجزائر وفرنسا رغم مضي نصف قرن على استقلال الجزائر، إنها حرب الذاكرة، حيث ترفض فرنسا الاعتذار للافارقة عن حقبة الاستعمار وبوجه خاص للجزائر التي ضحت بمئات الآلاف من الشهداء في ثورة الاستقلال والكرامة.

إذا وخلافا لخطاب الرئيس الفرنسي، قضى الرماة الافارقة في مقدمة الصفوف الأمامية للجيش الفرنسي، ونالوا ثناء المارشال جوزيف جوفريلى على جسارتهم في اختراق تحصينات العدو، ولم تكن تلك الشجاعة سوى جهلا للحرب التي ظنوا أنها مماثلة لحربهم ضد المقاومة _بسيطة التسليح، قليلة العتاد_ في بعض البلدان الأفريقية خاصة في الشمال الافريقي، عندها قال الجزائريون “يا الله إنهم سود البشرة” في إشارة للكتائب السنغالية بالجيش الفرنسي، والواقع كان أكثر إيلاما في بلادنا حيث أن كتائب الجيش الفرنسي ليست سوداء السحنة فحسب بل يصلون ويصومون رمضان ويدخنون امنيجة لأنهم ببساطة گوميات من قبائل البيضان في الجيش الاستعماري.

في ساحات الحرب العالمية كانت الوحشية سيدة الموقف، وسقط المجندون الأفارقة صرعى بفعل الهاوزر الألماني الذي مزق لحومهم، وتلاشت اجسادهم كأهداف سهلة في مرمى المدافع الألمانية الثقيلة، حيث اردت  مئات اللآلاف من القتلى لا تعرف اسماء غالبيتهم الساحقة ولا رتبهم في الجيش الفرنسي الاستعماري الذي جلبهم عنوة لتحرير أراضيه من النازية.

وبعيدا عن نكران فرنسا لتاريخها الاستعماري يقول المهاجر الإيطالي لا زارا بونتينيلي -الذي توفي 2007 وهو آخر محاربي الحرب العالمية الأولى قاتل في الخنادق مع فيلق الاجانب- ” لم نكن نعلم لماذا كنا نحارب!

وهذا بالضبط هو واقع رماة الكتيبة 12 السنغالية التي كان بين صفوفها گوميات موريتانيون قضوا في بلاد الغال ولعل عظام بعضهم في متحف فردان فماذا تقول؟.

المامي ولد جدو

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى