إنتقل إلي جوار ربه صبيحة اليوم،أحد فرسان الدولة الموريتانية الاستثنائيين،العتيق لحبيب،الذي هاجر طلبا للعلم في بواكير شبابه قبل نشأة الدولة الوطنية في موريتانيا، وإنقطع أثره وإختفت آثاره، ورغم سعي الأهل لتسقط أخباره، إلا أنه غاب لما يزيد علي ربع قرن، تنقل فيها بين مدارس وجامعات الدول العربية بدأها بالمغرب وأنهاها بدمشق بمرورا بمصر ودول المشرق، وعاد في منتصف سبعينيات القرن المنصرم حاملا لشهادة الدكتوراه في القانون (كأول موريتاني).
رجع إلي موريتانيا يحدوه أمل كبير وكله همة ونشاط للمساهمة في تطوير وبناء بلده، وتقلد خلال مسيرته العديد من المناصب السامية والرفيعة في الدولة الموريتانية،لعل أهمها، رئيس المحكمة العليا للقضاء في مطلع تسعينات القرن المنصرم. وعمل دون كلل أو ملل في تطوير مؤسسة القضاء، والعمل علي زرع منظومة قيمية حداثية في موريتانيا.
اللافت في مسيرة الراحل، أنه وهو الموظف السامي، وحامل الشهادة العليا في مجتمع متخلف، ينخر فيه الفساد، رفض بإصرار وبلباقته المعهودة تقلد منصب وزير في جميع مراحل عمره المهني.
كان حريصا علي اللقاء بالشباب والحديث معهم بغية إنارة الطريق أمامهم، عندما كان رئيس المحكمة العليا للقضاء، كان يلح علي لزيارته باستمرار، وفعلا قمت بزياراته مرات عديدة في المنزل، لكنه للأسف كان لا يجد الوقت الكافي للحديث معي، ولأنه في مكتبه في المحكمة العليا للقضاء، بقصر العدالة يكون لديه الوقت للحديث، خلاف المنزل الذي يعج بالزوار من الأهل والأقارب وأصحاب الحاجات،أذكر أنني في العام 1991 أعتدت علي زيارته في مكتبه بقصر العدالة منتصف يوم الأربعاء من كل أسبوع خلال الأشهر الثلاثة الممتدة من أواخر سبتمبر حتى مطلع يناير 1992.
لا يمكنني أن انسي مطلقا، أنني في كل زيارة له كان يقوم من علي كرسيه في مكتبه ويأخذنني بالأحضان هاشا باشا ويلاطفني بحميمية وحبور دافق نابع من القلب دون تصنع، لم أعتد مثلها في وسط عالم الأجلاف الذي أعيش فيه!
عندما يكون مكتبه غاصا بالمراجعين والزوار، كان بعد السلام يطلب من الحاجب أن يحضر لي كرسي ، وأجلس في ركن قصي من المكتب، أراقب بانبهار الطريقة الحضارية الراقية الذين يصرف بها الأعمال، ومع الجميع كانت الابتسامة لا تفارق محياه طيلة حديثه.
في حياتي كلها عملت أربع شخصيات علي تشكيل جزء كبير من وجداني المعرفي، كان أولهم الراحل العتيق لحبيب، حيث أذكر أنه كان ينتهز فرصة خلو مكتبه من الزوار والمرتادين، ليوجه حديثه إلي بكلام عميق حول قضايا شتي، ليست السياسة أي منها!
عندما تقدم بي العمر أدركت أن العتيق لحبيب، كان الوحيد من الأقارب الذين أحسوا بموهبتي في تلك السن المبكرة، لذا كان حريصا علي صقلها، عبر نصائح قيمة، عملت بها في حياتي لاحقا، وكان لها الأثر البالغ في ما أنا فيه من نضج معرفي.
في مكتب الراحل سمعت لأول مرة بمصطلحات كالتأصيل المعرفي، وحقوق الملكية الفكرية، وتدافع المراحل، وأهمية البعد السيميائي في ثقافة البيظان.
نصيحة وجهها لي وقد تحول وجهه إلي جدية صارمة أخافتني، قائلا: الحسين أتوسم فيك مشروع ثقافي رفيع المستوي، لا تجعل وحل الواقع الآسن يحبطك أو يفت في عضدك، ولتكن موريتانيا دائما بوصلة التوجيه لجميع أعمالك. إنك أبن الغالي. نصيحة لم اعيها أو أفهمها ساعتها، وأنا الذي كنت في بداية المشوار أتلمس طريقي.
وكان المرحوم والدي رفيق درب العتيق لحبيب في صباه وفي رحلة الاغتراب المبكرة تلك، وقد أحب كل منهما رفيقه وأخيه حب فلاطوني، كانت خاتمته أن والدي لفظ أنفاسه الأخيرة بين ذراعي العتيق لحبيب رحمهما الله.
أمور خمسة ميزت المرحوم العتيق لحبيب عن سائر مجايليه ومعظم من تصدر المشهد العام في موريتانيا أو تقلد منصبا رفيعا في البلاد:
1. أنه ظل ولآخر لقاء معرفي بيني وبينه، مقتنعا بالدولة الموريتانية، وأن صلاح الدولة من صلاح أفرادها! عليه كان حريصا علي إنارة الطريق أمام الناشئة والشباب، حتي يكونوا مواطنين صالحين، عكس الموظفين الساميين الموريتانيين الذين لا هم لهم غير تكديس المال، والانغماس الشوفيني في الشأن السياسي.
2. يحسب للمرحوم وهو الذي تقلد العديد من المناصب الرفيعة كوالي لأكثر من مدينة في موريتانيا ورئيس المحكمة العليا للقضاء، وغيرها أنه لم يكن ضالعا في منظومة الفساد التي، لم ينج منها في موريتانيا إلا من رحم ربي.
3. حاول وبشكل فردي، وبإمكانياته المتواضعة العمل علي استحداث منظومة قضائية حداثية، تتسم بالشفافية، وكان من المناصرين الأشداء لنظام فصل السلطات. لكن تيار الفساد الذي طال حتى مؤسسة القضاء، وأد أحلامه في المهد وشكل عائق جدي أمام مساعيه.
4. رفضه المستميت لتقلد منصب وزير، فيه الكثير من الحكمة والرشاد.
5. تواضع جم، وبساطة انعدمت في أصحاب المناصب الرفيعة في موريتانيا.
خفة دم دون ابتذال، ولباقة في الحديث آسرة ، وثقافة موسوعية لا تخطئها الإذن، تلك باختصار كانت شخصية العتيق لحبيب، رحمه الله وغفر له وأسكنه فسيح جناته، وألهمنا وأهل القدية والتيدومات ومحبيبه ومريديه جميل الصبر والسلوان، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
مع عدم قدرتي علي حبس دموعي، لا نقول إلا ما يرضي الله، فهذه سنته في خلقه، وهذا مآلنا جميعا.
د.الحسين الشيخ العلوي
2 ديسمبر 2019