المستعرضكتابنا

هل تجازف موريتانيا بعمقها الأفريقي مقابل 500 مليون يورو؟/ المامي ولد جدو

من المهم أن نوضح في البداية أن موريتانيا باتت اليوم موطناً لمئات آلاف الآجئين الأفارقة والعرب من جنسيات متعددة وهو أمر لا مناص منه بعد تحولها من بلد العبور الأخير لبلد الإقامة.

الشيء الذي دفع بالاتحاد الأوروبي للسعي لعقد شراكة استراتيجية معنا و الإقرار بأن لدينا  نظام ديمقراطي في موريتانيا، واعتبارنا واحة استقرار في منطقة مضطربة بنص تصريح رئيس الوزراء الإٍسباني بيدرو سانشيز، وبات الأوروبيون جادين في مساعي “تقاسم العبئ الدولي للمهاجرين” مع السلطات الموريتانية، وإبرام اتفاقيات متعددة أهمها دعم “توطين” المهاجرين، والإبعاد للموطن الأصلي، وأبرزها في مجالات الطاقة المتجددة ودعم تأمين الحدود في بلدنا بغلاف مالي تجاوز 500 مليون يورو.

 

لكنه من المهم أن لا نقبل الصفقة فقط، بل يجب التبصر حول كون مهاجري الغرب الأفريقي يأتون من دول تعد عمقا استراتيجيا لموريتانيا ولديها مصالح اقتصادية وأمنية بالغة الحساسية عوضا عن آلاف الموريتانيين المستوطنين في هذه الدول.

فكما لا تقبل دولة الأمان الأول إعادة المهاجرين من باقي الدول الأوروبية بوصفها مكان انطلاقتهم من أوروبا، على موريتانيا أن تعي مخاطر إعادة مواطني الغرب الأفريقي لدولهم التي تربطنا معها اتفاقيات عديدة وتجمعها معنا مصالح مترابطة.

و اليوم باتت أوروبا –أكثر من أي وقت مضى- تريد منا دفع هؤلاء اللاجئين إلى الوراء على امتداد الحدود من حيث أتوا، أو أن نمنعهم من الوصول لشواطئها.

 إلا أن موريتانيا لا تريد التخلي عن مسؤوليتها تجاه مواطني عمقها الأفريقي، وتقديم تبرير واضح لهذه العملية المكلفة والمحفوفة بالمخاطر السياسية والاقتصادية والأمنية، وعدم خرق الحقوق الأساسية للأفراد.

الشراكة مقابل تحمل العبء البشري للمهاجرين غير النظاميين وسيلة أخرى تستطيع الدول الغنية من خلالها مقايضة طلبات اللجوء والتخلي عن التزاماتها والتنصل عن استلام وتولي أمر التعامل مع المهاجرين الغير نظاميين، الشيء الذي يقوض أهداف اتفاقية اللاجئين ويجعل من تقاسم العبئ العالمي “سخرية” من المبادئ والحقوق الدولية.

لا شك أن مخاطر الهجرة باتت شأناً دوليا يقض مضجع الغرب بسبب الهجرة الجماعية والمخاطر التي تنتج عن التهجير والإعادة القسرية، خاصة إذا ما نظرنا إلى اللوائح التي يمكن بموجبها أن يُعاد مهاجرون  من الدولة التي دخلوها أول مرة و توغلوا في تقدمهم نحو دول أخرى عضوة في الاتحاد الأوروبي ، وقد وضعت هذه اللوائح عبئاً صعباً على إسبانيا واليونان وإيطاليا التي تواجه معظم القادمين.

وظلت اللوائح تُحظى بتأييد المحاكم لكن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان قررت أنه بسبب مواصفات بعض القضايا المعيّنة فان اللوائح تنتهك حقوق مقدم الطلب في العودة إلى الدولة التي دخل عبرها حينما وصل أول مرة.

وهو ما جعل إسبانيا بشكل خاص تلجئ لموريتانيا من أجل الشراكة في تقليل مخاطر هذه العملية بوصفها بلد الأمان الأول وربما الإقامة النهائية لهؤلاء المهاجرين داخل أوروبا.

ونظرا لوجود موريتانيا في محيط إقليمي يعج بعدم الاستقرار والحروب والإرهاب والانقلابات وتلاشي الديمقراطية،  فإن قانون اللاجئين مصمم ليكون بوسع الأشخاص، الذين يشعرون بالاضطهاد أو يأتون من دول غير مستقرة ولهم ما يبرر مخاوفهم  الحصول  بأمان على اللجوء والإقامة، ولكن اعتبارات الأمن الوطني صارت تمثل تحديا جدياً’ الشيء الذي  سيبرر  ضرب قيود على الاعتراف بأشخاص مهاجرين مع تقليص الحماية الاقتصادية والقانونية التي تُمنح لهم إلى حدها الأدنى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى