الشعب الذي ينتخب الفاسدين ليس ضحية، بل شريكا في الجريمة، كما يقول الفيلسوف جورج اوريل..
يحدث ذلك عندما يتم استحمار المجتمع على رأي علي شريعتي، وذلك بإضفاء ثوب العظمة على شخص ما، ويتم تحويل اخطاءه إلى صلاح، وجرائمه إلى كرامات، و يظن الناس بأنه يمكن أن يجلب لهم الحظ، ويرد عنهم الضرر.
وتلاحق تلك القداسة ذريته حتى وإن كانوا حميرا لا يفقهون شيئا، ولا يُعلمون الناس، بل يستغلون جهل المجتمع، وسعيه للتمسح بمن ليس له علم ولا فقه ولا دراية، ويتدخل هؤلاء في الانتخابات ويسيرون المرشحين، ويتبرك بهم للفوز، ويطلب منهم العون من يفترض أنهم منتخبوا الشعب الذي يتحمل مسؤولية إمساكهم بزمام أمره.
فكم حمار البسه الجهلة ثوب القداسة واصبح يسرح ويمرح على جميع المستويات السياسية والأمنية والدينية والاجتماعية دون محاسبة.
ولعل قصة الحمال والحمار تجسد واقعا مؤلما لسذاجة المجتمع.. يحكى أن ملكا أرسل حرسه لإحضار أحد مستشاريه واخبره بأنه استدعاه لأنه الأرجح عقلا، فانحنى المستشار احتراما للملك، وقال الملك: أتعلم بأنني لم أنم ليلتي هذه لأن هناك سؤالا يؤرقني وأريد إجابة له فقال المستشار ابشر يا مولاي وسأجيبك إن شاء الله.
فسأله الملك قلي أيهما افضل الحظ أم القداسة؟ فقال المستشار القداسة طبعا يا مولاي، فضحك الملك وقال له سأضحد رأيك بالدليل أو تثبت لي رأيك بالدليل، فقال المستشار نعم يا مولاي.
فخرجا صباحا لأحد الأسواق وبدأ الملك يتأمل في رعيته، فلاحظ حمالا بائسا فقيرا فأمر بإحضاره إلى القصر وإلباسه أبهى الحلل وعينه وزيرا، وقال للمستشار أرأيت ما يفعل الحظ؟
فقال له المستشار امهلني يا مولاي حتى اثبت لك حجتي، فقال الملك لك ذلك.
فخرج المستشار إلى السوق وشاهد حمارا هزيلا وسخا منهكا تعلوا جسده الدمامل من الضرب والتعب.
فصاح الوزير ايها الناس.. أيها الناس اتعلمون أن هذا الحمار قد حمل يوما ما أحد أنبياء الله، فقد ذكره فلان الفلاني عن فلان الفلاني في الكتاب الفلاني ، وما هي إلى لحظات حتى تجمهر الناس للتبرك بالحمار، فهذا يمسح على ظهره، وهذا ينزل عنه الأحمال، وذلك يتبارك به، وآخر يطعمه وتلك تأخذ شعرة من جسده لترزق بطفل، واخرى تمسح على مؤخرته لتتزوج.
واسكنوا الحمار في بيت نظيف وعينوا له خدما، فطأطأ الملك رأسه عندما رأى هذا المشهد.
فقال له المستشار اتعرف ما هو الفرق بين الحظ والقداسة؟ أنت يا مولاي البست الحمال ثوب العافية والمال والسلطة، و هذا الثوب يمكنك أن تسلبه منه، أما أنا فألبست الحمار ثوب القداسة و لا يمكن أن يسلبها أحد منه حتى أنت يا مولاي.
فهذه الحمير المستنفرة التي البست ثوب القداسة كثيرة على كافة المستويات والصعد، وتتلاعب بالشعب الذي اغدق عليها من ماله وعافيته، طمعا في التبرك، فكما يقول أحد الأطباء النفسيين بأن عيادته هي آخر مكان يأتي إليه المريض النفسي بعد أن يزور صاحب الرقيا، و”الحجابة” والسحرة والمشعوذين بمختلف أشكالهم، ويسلم كل ما يملك من نقود وبقية عقل، والمحظوظ من هؤلاء المرضى من يصل في آخر رحلة التيه العلاجية للطبيب النفسي ويستسلم لمنطق العلم .
إذا على الشعب أن لا يصدق بأنه الضحية، إذا أوصل الفاسدين للسلطة، لأنه يلبس الحمير ثوب القداسة، ويجعلهم فوق الشهبات والمساءلة.
والمترف هو الشخص فوق المسائلة، وعندما تتشكل طبقة من هؤلاء المترفين -فوق القانون والغير قابلين للمسائلة- في أي مجتمع، فإنه لا محالة سيتم تدميره، أو يظل في التخلف ومؤخرة الركب، فحتى الرسول صل الله عليه وسلم استدعى سعدا ابن عبادة في الحادثة الشهيرة ليسأله عن ما نما إلى علمه بأن الأنصار يجدون في انفسهم من تقسيم غنائم معركة حنين على المؤلفة قلوبهم، وقد استدعى سعدا لعلمه بصراحته وعدم اتخاذه اسلوب المحاباة، فأجابه سعد تلك قسمة ما أريد بها وجه الله.
فحتى الرسول الذي يعدل بشرع الله والمعصوم من الزلل، يتسع صدره الشريف للمسائلة، والرأي المخالف، في حين أن بعض المترفين من المسؤولين الحكوميين لا يخضعون للمسائلة، ويعتبرون أنفسهم فوق مستوى الشبهات، بينما هم سبب التخلف و الهلاك .