ولد الزين يكتب..موقف شرعي في إبطالِ ما كان يُدَّعى رقًّا في البلاد، وتصحيحِ ما ترتب عليه
2026-05-07
د.الشيخ ولد الزين ولد الامام/ الأمين العام لمنتدى علماء موريتانيا وافريقيا
الحمد لله الذي أقام شريعته على العدل والإحسان، ورفع بها الإصر والأغلال، أما بعد:
فإنّا بعد استيفاء النظر، واستقصاء البحث تبعا لرؤية مقاصدية معتبرة ومراجعة فتاوى الأئمة المحققين القاضية بإبطال الاسترقاق في هذه الديار وأمثالها، كفتوى أحمد بابا التنبكتي وصاحب الاستقصا ومن نحا نحوهما من أهل التحقيق؛ ظهر لنا ظهورًا بيّنًا أن ما كان جارياً في بلادنا وما والاها من دعاوى الرق لم يصادف محلًّا شرعيًّا معتبرًا، لفقدان أسبابه المقررة شرعًا، وقيام موانعه المتحققة واقعًا؛ إذ الإسلام قد استقرّ في أقطار شمال إفريقية وغربها منذ أزمانٍ متطاولة، فانتفى موجب الاسترقاق شرعًا، وبطل التذرع إليه حكمًا.
كما تبيّن أن كثيرًا مما وقع من ذلك إنما نشأ عن أحوالٍ مضطربة، وغلبةِ عدوانٍ وحرابة، وفسادِ ولايةٍ، وغيابِ سلطانٍ قاهرٍ يردع الظالم وينصف المظلوم؛ فلم يكن مستندُه اجتهادًا صحيحًا، ولا موجبًا شرعيًّا صريحًا، بل كان في جملة صوره واقعًا على خلاف مقاصد الشرع وقواعده الكلية، فوجب ردُّه إلى أصل البطلان، وإلغاءُ ما توهِّم فيه من المشروعية.
غير أن الحكم ببطلان أصل الاسترقاق لا يقتضي تأثيمَ من آل إليهم ذلك بطريق الإرث والتوارث، ممن لم يباشروا أسباب الجلب والاسترقاق ابتداءً، ولا نقضَ ما ترتب عليه من الأنكحة والعقود والولايات وسائر الآثار؛ لقيام شبهةٍ معتبرةٍ دارئة، جرى اعتبارُها في مذاهب الفقهاء، وعملوا بفروعها في الحدود والأنكحة وسائر الأحكام، أخذا بقاعدة: «ادرؤوا الحدود بالشبهات»، وما تفرع عنها من الأصول المقررة عند أهل العلم؛ فكانت تلك الشبهة مانعةً من ترتيب المؤاخذة، دافعةً للنقض بعد الوقوع.
أما من باشروا الجلب والاسترقاق عدوانًا بغير موجبٍ شرعي، ففعلُهم داخلٌ في الظلم المحرم، والعدوان المردود شرعًا، بحسب ما قام عليه من العلم والقصد والقدرة، والله يتولى السرائر والحساب.
ثم إنه وبعد تلك الأزمان ولما صدر الإلغاء العام للرق من جهة ولاة الأمور وسلاطين الدولة ، ووقع الاتفاق على منعه وتجريمه، ارتفعت تلك الشبهة، وزال ما كان يُتعلل به من التأويل، فرجع الحكم إلى مقتضى أصله من التحريم القطعي، وبطل كل ما يُتوهم به استباحة الاسترقاق أو التمييز بسببه.
وعليه؛ فالناس اليوم أحرارٌ شرعًا، متساوون في الكرامة الإنسانية، متكافئون في الحقوق والأهلية، لا يثبت لأحدٍ على أحدٍ وصفُ رقٍّ، ولا أثرٌ من آثاره، ولا يُقبل تفاضلٌ مبنيٌّ عليه، بل كل دعوى تُفضي إلى الانتقاص أو التمييز أو الإزدراء بسبب ذلك فهي مردودة شرعًا، داخلةٌ في جملة الأذى المحرم، من الغيبة والبهتان المجمع على تحريمهما، سواء صدر ذلك من المعني بالأمر أو من غيره.
والله أعلم، وهو الهادي إلى سواء السبيل.
وكتبه
البرفسور الدكتور: الشيخ ولد الزين ولد الإمام
أستاذ أصول الفقه ومقاصد الشريعة
انواكشوط، في ٦ مايو ٢٠٢٦م