التأني أمام المستنقع المالي.. حكمة دولة لا ضعف جيش/المامي جدو
2026-08-08
المامي ولد جدو
اثار توقيف مواطنين موريتانيين اثناء عبورهم منطقة كاتي جنوب غرب جمهورية مالي، ضمن إقليم كوليكورو، وهي منطقة تخضع لرقابة أمنية وعسكرية مشددة، نقاشاً واسعاً وانتقادات للمؤسسة العسكرية الموريتانية حيال هذه الحادثة والأحداث المشابهة.
ومن المهم، قبل توجيه اللوم إلى الجيش الموريتاني في عدم التدخل، وضع القضية في سياقها الصحيح؛ فالمواطنون كانوا يعبرون أراضي دولة أخرى، وفي منطقة تعاني من تحديات أمنية كبيرة، وليست العملية، وفق هذه المعطيات، توقيفاً لمواطنين داخل الأراضي الموريتانية أو على خلفية نشاط سياسي أو مدني داخل البلاد.
غير أن تحويل كل عملية توقيف أو احتجاز خارج الحدود إلى مناسبة لمهاجمة الجيش الموريتاني ومطالبته بالتدخل العسكري، قبل اكتمال المعطيات والتحقق من ملابسات الواقعة، يبدو موقفاً متسرعاً لا يخدم لا المواطنين ولا المؤسسة العسكرية.
فالجيش الموريتاني ليس جهازاً مدنياً لإدارة حركة المسافرين والتجار، وإنما مؤسسة وطنية تتمثل إحدى أهم مهامها في حماية التراب الوطني وتأمين الحدود ومواجهة التهديدات التي قد تستهدف أمن البلاد.
ومن المهم أيضاً ألا يُفهم حرص موريتانيا على عدم الانجرار إلى تدخل عسكري داخل الأراضي المالية باعتباره عجزاً أو نقصاً في القدرة على حماية مواطنيها.
فالجيش الموريتاني يمتلك، بحكم طبيعة مهامه واستعداده، القدرة على حماية الحدود والتعامل مع التهديدات التي قد تمس الأمن الوطني، كما أن الدولة لا يمكن أن تكون غافلة عن المخاطر الأمنية الموجودة في جوارها الإقليمي. وإذا اقتضت الضرورة الوطنية، فإن للدولة الموريتانية كامل الحق في اتخاذ ما تراه مناسباً لحماية أمنها ومواطنيها، وفق القانون والاتفاقات والظروف القائمة.
لكن امتلاك القدرة على استخدام القوة لا يعني أن استخدامها هو الخيار الصحيح في كل ظرف.
وقد يكون اعتماد موريتانيا سياسة التأني والمهادنة وتجنب التصعيد مع الجانب المالي خياراً سيادياً محسوباً، يأخذ في الاعتبار طبيعة الوضع الأمني المعقد في مالي، وتشابك الأطراف المسلحة، وحساسية الحدود، وخطورة فتح جبهة جديدة في منطقة تعاني أصلاً من اضطرابات وانفلات أمني.
فالدول لا تقاس قوتها فقط بقدرتها على الدخول في المواجهات، وإنما أيضاً بقدرتها على معرفة متى تستخدم القوة ومتى تتجنبها.
ومن هنا، فإن مطالبة الجيش الموريتاني بالتدخل داخل الأراضي المالية لتحرير مواطنين موريتانيين قد تبدو، للوهلة الأولى، تعبيراً عن الحماس للدفاع عن المواطنين، لكنها تتجاهل سؤالاً أكثر أهمية: هل التدخل العسكري في هذه الظروف سيحقق فعلاً الهدف المطلوب، أم أنه قد يعرض المواطنين أنفسهم للخطر ويجر موريتانيا إلى مواجهة مفتوحة داخل الأراضي المالية؟
إن سياسة التأني التي تنتهجها الدولة لا تعني أنها عاجزة عن الرد، وإنما يمكن أن تعني أنها تدرك أن القوة العسكرية يجب أن تكون خياراً أخيراً عندما تفشل الوسائل الأخرى أو عندما يصبح الأمن الوطني مهدداً بصورة مباشرة.
ولهذا، فإن ترك المجال أمام القنوات الدبلوماسية والأمنية والوساطات المختلفة للعمل لا ينبغي تفسيره على أنه تخاذل، كما لا ينبغي تحويل كل مطالبة شعبية غاضبة إلى ضغط من أجل اتخاذ قرار عسكري قد تكون كلفته أكبر من نتائجه.
القوة الحقيقية ليست في أن تدخل كل معركة تستطيع دخولها، وإنما في أن تعرف أي معركة تستحق أن تخوضها، ومتى، وبأي وسيلة.