السياسةالمستعرضسياسي

بيرام يرفع «فيتو» الدستور في وجه الحوار الوطني

رؤيا بوست..نواكشوط – أثارت رسالة وجهها النائب البرلماني ورئيس حركة «إيرا» بيرام ولد الداه ولد عبيد، اليوم الثلاثاء، بشأن الحوار السياسي المرتقب، تساؤلات حول طبيعة المخرجات التي يمكن أن ينتهي إليها المسار، خصوصاً في ظل حديث رسمي متزايد عن مراجعة المنظومة المؤسسية وبناء رؤية جديدة لموريتانيا المستقبلية.

وتأتي رسالة ولد أعبيد بعد أيام من تأكيد الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، من مدينة أطار، أن الحوار الوطني المرتقب ينبغي أن يفضي إلى توافق واسع حول القضايا الوطنية الكبرى، وأن يسهم في تعزيز المواطنة والعدل والإنصاف وتقوية مؤسسات الدولة، مع تأكيده أن تطوير المنظومة المؤسسية لا يعني المساس بأسس الدولة أو مبادئ الجمهورية.

غير أن ولد أعبيد قرأ هذا المسار من زاوية مختلفة، محذراً من أن الحوار «لا يمكن بأي حال أن يسهم في خلق مظهر من مظاهر التوافق أو الهدوء» إذا ظل احتمال المساس بالقانون الأساسي قائماً، في إشارة إلى الجدل السياسي المرتبط بحدود المأموريات الرئاسية وما يثار بشأن إمكانية فتح نقاش حول التعديلات الدستورية.

وقال ولد أعبيد إن أي مساس بالقواعد التي تحدد مدد تولي السلطة من شأنه، في تقديره، أن يغذي لدى الرأي العام فكرة إمكانية «التحايل على قواعد اللعبة» أو الالتفاف عليها، معتبراً أن الحوار الذي لا يستند إلى ضمانات ملموسة قد ينتهي إلى خيبة أمل شبيهة، بحسب وصفه، بتجربة الحوار السابقة سنة 2022.

ويرى رئيس «إيرا» أن الإشكال لا يتعلق بمجرد إدراج الملفات الوطنية الكبرى على جدول أعمال الحوار، بل بقدرة المشاركين على التأثير في مخرجاته. وفي هذا السياق، يميز بين «المشاركة» و«التأثير»، معتبراً أن المعارضة لا ينبغي أن تتحول إلى طرف يؤدي دوراً شكلياً في مسار سياسي تحدد نتائجه مسبقاً.

وحدد ولد أعبيد جملة من الشروط التي يعتبرها ضرورية لأي حوار ذي نتائج، من أبرزها إصلاح المنظومة الانتخابية، وضمان استقلالية اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات، ووجود سجل انتخابي موثوق، وتقسيم انتخابي عادل، وشفافية تمويل الحياة السياسية، وتكافؤ الوصول إلى وسائل الإعلام العمومية، وضمان حياد الإدارة، ووضع آليات رقابة على العملية الانتخابية.

كما دعا إلى احترام النظام الدستوري، وضمان حرية الاجتماع والتظاهر، وإقرار آلية لمتابعة تنفيذ مخرجات الحوار ضمن آجال محددة، معتبراً أن مجرد الاتفاق على التوصيات لا يكفي ما لم تتحول إلى التزامات قابلة للتحقق والتنفيذ.

وتحمل الرسالة، في جوهرها، موقفاً سياسياً يتجاوز الاعتراض على تفاصيل تنظيم الحوار إلى التشكيك في قيمة الحوار نفسه إذا لم تحسم مسبقاً حدود ما يمكن أن يطال النظام الدستوري. فبينما يقدم الخطاب الرئاسي الحوار باعتباره فرصة لمراجعة المسارات والاستراتيجيات وتطوير المؤسسات بما يواكب التحولات الاجتماعية، يضع ولد أعبيد مسألة احترام قواعد التداول على السلطة في مرتبة تسبق أي توافق آخر.

ويتمثل «العوار السياسي» الأبرز في رسالة ولد أعبيد في أنها تنطلق من احتمال تعديل الدستور بوصفه خطراً قائماً، من دون أن تقدم الرسالة دليلاً على وجود قرار رسمي بهذا الاتجاه. فالمعلن من الرئيس حتى الآن هو أن الحوار لا يستهدف تغيير أسس الدولة أو المساس بمبادئ الجمهورية، وأن مخرجاته ينبغي أن تكون نتاجاً لمداولات المشاركين، بينما يبقى النقاش حول المأموريات والتعديلات الدستورية جزءاً من التجاذب السياسي المحيط بالحوار.

وبذلك، يبدو أن جوهر الخلاف بين الطرفين لا ينحصر في هل يكون الحوار شاملاً أم لا؟، وإنما في سؤال أعمق: هل يدخل المشاركون إلى الحوار على أساس أن قواعد النظام السياسي والدستوري محسومة، أم يدخلون إليه مع احتمال أن تكون هذه القواعد نفسها موضوعاً للنقاش؟

وفي ختام رسالته، أكد ولد أعبيد استعداده للنقاش من أجل الإصلاح، لكنه رفض أن تكون المعارضة، بحسب تعبيره، غطاءً لما وصفه بالجمود أو القيود أو الالتفاف على الدستور، داعياً إلى حوار يقوم على ضمانات واضحة ويستعيد، في نظره، الثقة في قواعد المنافسة السياسية والتداول على السلطة.

ويأتي هذا الموقف في سياق سياسي سبق لولد أعبيد أن عبر فيه عن رفض الجمع بين الدعوة إلى الحوار وما يعتبره تحضيراً لمأمورية رئاسية ثالثة، وهو موقف أعلن عنه في مطلع سبتمبر، قبل أن تتجدد مواقفه بشأن شروط الحوار وضماناته.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى