كيف تتفادى السلطات تحول ملف المدونين إلى أزمة إعلامية؟/ المامي جدو
2026-09-29
المامي ولد جدو
في الملفات التي تتقاطع فيها التحقيقات الأمنية والمالية مع السياسة والإعلام، لا تكفي سلامة الإجراءات القانونية وحدها؛ فطريقة إدارة الملف أمام الرأي العام قد تحدد إلى حد كبير مساره الإعلامي والسياسي.
و مع اتساع التحقيقات الأمنية والمالية المرتبطة بتحويلات مالية وأشخاص ومدونين يقيم بعضهم خارج موريتانيا، تبدو السلطات أمام تحدٍّ لا يتعلق بالمسار القضائي وحده، وإنما أيضاً بكيفية إدارة الملف إعلامياً، حتى لا يتحول التحقيق إلى مواجهة مفتوحة مع المدونين والمعارضة في الداخل والخارج.
ولتفادي هذا السيناريو، تبدو الشفافية والفصل بين المسارات أكثر فائدة من الدخول في سجال إعلامي مباشر.
فالسلطات مطالبة أولاً بتوضيح الإطار القانوني للتحقيق، والتأكيد على أن أي إجراءات تتعلق بتحويلات مالية أو شبهات جنائية تستند إلى وقائع وأدلة، وليس إلى مواقف سياسية أو محتوى معارض. كما أن الفصل بين المخالفات المالية، إن ثبتت، وبين ممارسة العمل الإعلامي أو التعبير عن الرأي، من شأنه أن يمنع اختلاط الملفات ويجعل القضية أكثر وضوحاً أمام الرأي العام.
وفي قضية التحقيقات الجارية حول تحويلات مالية وأشخاص مرتبطين بمدونين يقيمون في الخارج، تبدو الأولوية أمام السلطات هي منع تحول التحقيق إلى مواجهة مفتوحة مع مدونين يمتلكون جمهوراً واسعاً، وتجد المعارضة في خطابهم مادة جاهزة لانتقاد السلطة.
المقاربة الأكثر فاعلية تبدأ بالفصل بين المسارات: فإذا كان التحقيق يتعلق بتحويلات مالية أو شبهات جنائية، فينبغي أن يقدم باعتباره ملفاً قانونياً محدداً، بالأدلة والإجراءات، بعيداً عن ربطه تلقائياً بالمواقف السياسية أو المحتوى المعارض.
كما أن ترك المجال للتسريبات والمعلومات غير المكتملة قد يضر بصورة السلطات أكثر مما يخدمها. ولذلك تحتاج الدولة إلى رواية رسمية واحدة، واضحة ومتدرجة، تقدم للرأي العام ما هو مؤكد فقط، وتترك للقضاء تحديد المسؤوليات.
ومن المهم كذلك تجنب تحويل كل بث أو تدوينة إلى مناسبة لرد رسمي؛ فالدخول في حرب يومية مع مدونين أصحاب متابعة واسعة قد يمنحهم، من حيث لا تريد السلطات، مزيداً من الحضور والاهتمام. الرد الأفضل هو المعلومة الموثقة، وليس السجال.
وتبقى نقطة أخرى شديدة الحساسية: أي إجراء يمس أقارب أو محيط الأشخاص الموجودين في الخارج ينبغي أن يكون له أساس قانوني واضح وقابل للتفسير، لأن مثل هذه الإجراءات يمكن أن تصبح سريعاً محور القضية إعلامياً، وتُستخدم لإعادة تقديم الملف باعتباره قضية حريات وتضييق على المعارضة، بدلاً من كونه تحقيقاً مالياً أو جنائياً.
في النهاية، لا تحتاج السلطات إلى خوض معركة مع المدونين بقدر ما تحتاج إلى إدارة الرواية حول القضية. الشفافية، توحيد الخطاب، نشر المعلومات القابلة للتحقق، والفصل بين القضاء والسياسة والإعلام، هي الأدوات التي يمكن أن تحافظ على قوة الموقف الرسمي وتمنع خصومه من امتلاك الرواية كاملة.
فالقاعدة الأهم في مثل هذه الأزمات بسيطة: لا تجعل من التحقيق قصة أكبر من الوقائع التي تحقق فيها، ولا تجعل من خصومك الإعلاميين أبطالاً للقضية.