في كل حديث لرئيس الجمهورية يكشف عن تقدمه بأشواط كبيرة على نخب البلد وقدرته على دفع النقاش العمومي إلى مناطق لا يطالها الحديث وشكلت طوال تاريخ هذا البلد محظورات لا يصح قولها ولا التلميح عليها.
وفي حديثه الأخير، وبالرغم من أنه جاء مجتزءا ومفصولا عن سياقه فإنه لم يحد عن هذه القاعدة..
لقد تعودنا من النخب مغازلة المزاج العام وتسويق الوهم وتجييش الرأي العام ضد الدولة وتكثيف الطلب على الخدمات والمنافع والامتيازات بما يضع الدولة في أعين الناس بمظهر الممانع خلافا لما عليه الحال من عجز بنيوي في الموارد المادية والبشرية.
إن حديث رئيس الجمهورية الأخير جاء في هذا السياق بالضبط، وقد كان تقريعا في المقام الأول لهذه النخب، ثم هو تعبير صادق وصريح عن الواقع في المقام الثاني.
إن المسؤولية الأولى لرئيس الجمهورية هي تقديم الحقائق، والحقيقة المؤكدة أن البلد فقير، ولا يصح أن يكون هذا القول مدعاة لاستفزاز المشاعر وكسر التصورات، فالفقر العمومي ليس هو الفقر الشخصي على أي حال، وبالتالي فإن الحديث عنه ليس مدعاة لكل هذا التشنج والانكسار الذي عبرت عنه ردود الفعل حتى اللحظة.
لعله من المناسب التذكير هنا بأن الخطوة الأولى في كل عمل جاد هي التشخيص الدقيق وتقديم الواقع كما هو، فعندما يرى الناس من القائد الصدق في حديثه لهم قبلوا منه التوجيه واحتشدوا خلف رؤيته، وهذا هو رهان رئيس الجمهورية أن تكون التوقعات في حدود الامكانيات وأن تكون التصورات في حدود المقدرات، وهذا هو رهاننا اليوم شعبا ورئيسا أن يكون هذا الخطاب بداية انطلاقة فعلية نحو واقع جديد.
زر الذهاب إلى الأعلى