توفي فجر الخميس 12 مارس 2026 في نواكشوط، عن نحو ثمانين عاماً، بوبكر ولد مسعود، أحد أبرز الوجوه التي ارتبط اسمها في موريتانيا بقضية مناهضة العبودية ومخلّفاتها.
برحيله تغيب شخصية ظلت لعقود تثير الجدل بقدر ما تثير الاحترام، لأنها اختارت مواجهة واحدة من أكثر القضايا حساسية في المجتمع الموريتاني.
وُلد ولد مسعود في منتصف أربعينيات القرن الماضي في ظروف قاسية، وعاش طفولته في واقع الرق الذي كان سائداً آنذاك، غير أن دخوله المدرسة، في حادثة بدت عابرة في وقتها، فتح أمامه طريقاً مختلفاً.
واصل دراسته حتى أصبح مهندساً معمارياً بعد أن درس في باماكو ثم في موسكو، قبل أن يعود إلى موريتانيا في السبعينيات.
كان بإمكانه أن يكتفي بمسار مهني مريح، لكنه اختار طريق النضال، فشارك في تأسيس حركة “الحر” أواخر السبعينيات، ثم أسس لاحقاً منظمة “نجدة العبيد”، التي تحولت إلى منصة للدفاع عن ضحايا الاسترقاق وكشف حالاته في البلاد.
وقد دفع ثمن نشاطه اعتقالات متكررة ومضايقات عديدة، لكنه ظل متمسكاً بقضيته.
لم تكن مسيرته خالية من الجدل، فبينما اعتبره كثيرون صوتاً ضرورياً لكشف واقع مؤلم، رأى آخرون أنه يبالغ أحياناً في تصوير الظاهرة أو في تدويلها.
غير أن هذه المفارقة تكاد ترافق كل شخصية تحمل مشروعاً تحررياً كبيراً، إذ نادراً ما يسير أصحاب القضايا في منطقة وسطى هادئة.
في حالة بوبكر ولد مسعود، لا يمكن إنكار أن صوته كان من الأصوات التي أبقت قضية العبودية ومخلّفاتها حاضرة في النقاش الوطني، كما لا يمكن تجاهل أن سنوات نضاله الطويلة ساهمت في دفع الدولة إلى سنّ قوانين متتالية لمكافحة الرق.
رحل بوبكر ولد مسعود اليوم، لكن الجدل الذي أثاره طوال نصف قرن لن يرحل معه. فالقضايا التي كرس حياته لها ما تزال مطروحة، والأسئلة التي رفعها ما تزال تبحث عن إجابات.
وداعاً بوبكر ولد مسعود…
قد يختلف الناس معك في بعض ما قلت أو فعلت، لكن قليلين فقط يستطيعون إنكار أنك عشت حياتك وفياً لقضية آمنت بها منذ لحظة خرجت فيها من ظلال العبودية إلى ضوء الوعي.
سيدي محمد طلبة
زر الذهاب إلى الأعلى