رأي

قراءة في وثيقة: “سبل معالجة مظالم وانتهاكات حقوق الإنسان في ظل الدولة الوطنية/سيدي محمد ولداخليفه

تشكل هذه الوثيقة مساهمة فكرية ووطنية مهمة في واحد من أكثر الملفات حساسية في التاريخ الموريتاني المعاصر، وهو ملف المظالم وانتهاكات حقوق الإنسان. وتنبع أهمية هذه الورقة من كونها سعت إلى تجاوز المقاربات الجزئية والانتقائية التي طبعت النقاش حول هذا الملف لعقود، مقدمة رؤية شاملة تستند إلى مبادئ العدالة والإنصاف والوحدة الوطنية.
أول ما يلفت الانتباه في الوثيقة هو حرصها على ضبط المفاهيم والمصطلحات قبل الخوض في التفاصيل. فالكثير من الخلافات التي شهدها النقاش العمومي حول هذا الملف كانت ناتجة عن غياب تعريفات دقيقة للمفاهيم المتداولة. ولذلك جاء التمييز بين “الإرث الإنساني” و”المظالم” و”انتهاكات حقوق الإنسان” ليؤسس أرضية معرفية واضحة تساعد على فهم الإشكاليات المطروحة بعيداً عن الالتباس والتوظيف السياسي.
كما تتميز الوثيقة بشمولية النظرة إلى الانتهاكات التي عرفتها البلاد، حيث لم تحصر المظالم في فترة زمنية محددة أو في فئة اجتماعية بعينها، وإنما تعاملت معها باعتبارها سلسلة من الانتهاكات التي طالت موريتانيين من خلفيات وانتماءات مختلفة. وهذه المقاربة تمثل خطوة مهمة نحو بناء ذاكرة وطنية جامعة تقوم على المساواة بين الضحايا، وتبتعد عن منطق الانتقاء أو المفاضلة بين الآلام والمعاناة.
ومن أبرز نقاط القوة في الوثيقة أنها أعادت المسؤولية إلى إطارها الصحيح، حين أكدت أن هذه الانتهاكات وقعت في ظل الدولة ومن خلال أجهزتها، وأن معالجتها يجب أن تتم في إطار وطني مؤسسي، بعيداً عن منطق التوظيف السياسي أو الاستقطاب الفئوي. فالمسؤولية هنا ليست مسؤولية جماعات أو مكونات اجتماعية، وإنما هي مسؤولية أنظمة وممارسات سلطوية ارتبطت بظروف سياسية وأمنية معينة.
وقد أحسنت الوثيقة كذلك في تحديد المبادئ المؤطرة للمعالجة، مثل الشمولية والعلنية والمساواة بين الضحايا والإنصاف وجبر الضرر والمسؤولية الوطنية. وهي مبادئ تشكل في مجموعها أساساً متيناً لأي مصالحة وطنية حقيقية، لأنها تربط بين الحق في معرفة الحقيقة والحق في الإنصاف وبين ضرورة الحفاظ على الوحدة الوطنية والاستقرار الاجتماعي.
أما في جانب الحلول، فقد قدمت الوثيقة مقاربة متكاملة تجمع بين المكاشفة والاعتراف، وجبر الضرر والتعويض، والاعتذار الرسمي، وإعادة الاعتبار للضحايا، وضمانات عدم التكرار، وترسيخ ثقافة التسامح. وهي عناصر متكاملة لا يمكن فصل بعضها عن بعض إذا أريد للمعالجة أن تكون جادة ومستدامة.
ومن الجوانب الجديرة بالتقدير أيضاً تأكيد الوثيقة على أن ملف حقوق الإنسان والمظالم ينبغي أن يظل شأناً وطنياً يُدار بإرادة وطنية مستقلة، مع الاستفادة من التجارب الإنسانية الناجحة في هذا المجال، بما يحفظ سيادة الدولة ويعزز الثقة بين المواطنين ومؤسساتهم.
إن القيمة الحقيقية لهذه الوثيقة لا تكمن فقط في ما تضمنته من أفكار ومقترحات، بل أيضاً في المنهج الذي اعتمدته، والقائم على البحث عن المشترك الوطني الجامع بدل تغذية الانقسامات، وعلى توسيع دائرة العدالة بدل حصرها في فئة دون أخرى. ومن هنا يمكن اعتبارها أرضية مناسبة لإطلاق حوار وطني هادئ ومسؤول حول كيفية معالجة جراح الماضي بما يحقق الإنصاف للضحايا ويحفظ وحدة المجتمع.
وفي المحصلة، تقدم هذه الوثيقة نموذجاً لمقاربة وطنية متوازنة تسعى إلى التوفيق بين مقتضيات العدالة ومتطلبات الاستقرار، وبين الوفاء لحقوق الضحايا والحفاظ على تماسك المجتمع. وهي بذلك تستحق أن تُقرأ بعناية، وأن تُناقش بروح منفتحة ومسؤولة، لما يمكن أن تسهم به في بناء مستقبل أكثر عدلاً وإنصافاً ووحدةً لجميع الموريتانيين.
*المفتس :سيدي محمد ولداخليفه*

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى