المستعرضگورگولولايات

والي كوركول.. قيادة ميدانية صنعت الثقة وتركت الأثر

ليس كل من يتولى مسؤولية يترك أثرًا، وليس كل من يجلس على كرسي القيادة يصنع فرقًا. فالمناصب لا تصنع الرجال، بل الرجال هم من يمنحونها قيمتها ومعناها الحقيقي. وبين من يعبرون مواقع المسؤولية مرورًا عابرًا، ومن يحولونها إلى محطات للعطاء والبناء، تبرز نماذج تستحق أن تُروى سيرتها بوصفها تجربة ملهمة لا مجرد وظيفة مؤقتة.

ومن بين هذه النماذج يبرز والي ولاية كوركول، الذي جعل من المسؤولية رسالةً تُحمل في الضمير قبل أن تُمارس في الميدان، ومن خدمة المواطن التزامًا أخلاقيًا يتجاوز حدود الواجب الإداري.

منذ توليه مهامه، اتضح أنه اختار أن يكون قريبًا من المواطنين، حاضرًا بينهم، منصتًا لهمومهم وتطلعاتهم، مؤمنًا بأن الإدارة الناجحة لا تُقاس بعدد الاجتماعات والتقارير، بل بقدرتها على ملامسة احتياجات الناس وتحسين واقعهم اليومي. ولذلك لم يكتفِ بالعمل من خلف المكاتب، بل جعل من الميدان فضاءه الطبيعي، يتفقد المشاريع، ويعاين التحديات، ويستمع إلى المواطنين مباشرة، بحثًا عن حلول عملية وواقعية.

وقد أدرك أن قيمة المنصب لا تُقاس بما يمنحه من صلاحيات، وإنما بما يتركه من أثر إيجابي في حياة الناس. ومن هذا المنطلق، حرص على أن يكون حضوره فاعلًا في مختلف أنحاء الولاية، متابعًا لشؤونها، قريبًا من قضاياها، ومواكبًا لانشغالات سكانها.

وفي جانب آخر من تجربته، برز إيمانه العميق بأن النجاح الإداري لا يصنعه الفرد مهما بلغت كفاءته، بل يتحقق بروح الفريق وتكامل الجهود. فعمل على تعزيز الانسجام بين مختلف المصالح الإدارية، وتشجيع المبادرة، وترسيخ ثقافة التعاون والانضباط، بما أسهم في خلق بيئة عمل إيجابية تقوم على المسؤولية المشتركة والسعي نحو تحقيق الأهداف العامة.

ولم تقتصر رؤيته على إدارة الملفات اليومية، بل امتدت إلى بناء الثقة وترسيخ القيم. فقد كان يؤمن بأن المشاريع قد تُنجز في سنوات، أما الثقة فتُبنى بالمواقف الصادقة والالتزام المستمر، وأن أثر المسؤول الحقيقي لا يُقاس فقط بما ينجزه من مشاريع، بل كذلك بما يغرسه من قيم في النفوس ويكرسه من ثقافة خدمة الصالح العام.

ومن هنا تحولت تجربته إلى مصدر إلهام لكل من عمل معه أو تابع أداءه، وغدت نموذجًا للقيادة التي تجعل من الأخلاق أساسًا للسلطة، ومن العمل معيارًا للحكم على الإنجازات، ومن خدمة المواطن أولوية لا تقبل المساومة.

وإذا تأملنا هذه المسيرة، ندرك أن ما تحقق لم يكن نتيجة وفرة الإمكانات فحسب، بل ثمرة رؤية واضحة، وإرادة صادقة، وإيمان راسخ بأن خدمة الوطن مسؤولية قبل أن تكون امتيازًا. فقد أثبت أن المسؤول الذي يضع مصلحة الوطن والمواطن فوق كل اعتبار قادر على صناعة الفارق مهما كانت التحديات.

ولعل ما يمنح هذه التجربة بعدًا إضافيًا أنها جاءت منسجمة مع التوجيهات السامية لفخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، الهادفة إلى تعزيز الإدارة وتقريبها من المواطن، وتحسين الخدمات العمومية، وترسيخ مبادئ العدالة والإنصاف في التنمية. وقد سعى إلى ترجمة هذه التوجيهات إلى واقع ملموس، تُرى آثاره في الميدان قبل أن تُقرأ في التقارير، وفي حياة المواطنين قبل أن تظهر في الأرقام.

وهكذا تتجسد صورة المسؤول الذي يدرك أن الخدمة العامة أمانة قبل أن تكون منصبًا، ورسالة قبل أن تكون وظيفة، ليبقى في نهاية المطاف نموذجًا لرجل دولة آمن بأن أعظم ما يتركه الإنسان خلفه ليس المنصب ولا السلطة، وإنما الأثر الطيب، والكلمة الصادقة، والخدمة المخلصة للوطن والمجتمع.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى