استقصاءالمستعرض

من توثيق نشاط الرئيس إلى صناعة صورة الدولة: أين يتعثر الإعلام الرئاسي؟/ المامي جدو

يمكننا تقييم أداء المكتب الإعلامي لرئاسة الجمهورية من زاوية مهنية وإعلامية بحتة، بعيداً عن تقييم الرئيس أو سياساته. ومن خلال مراجعة المواد المنشورة على الموقع الرسمي للرئاسة، بما فيها الأخبار والخطابات والبيانات والفيديوهات، تظهر مجموعة من الملاحظات التي تصلح لأن تكون أساساً لنقد مهني للمؤسسة الإعلامية الرئاسية.

لا تبدو المشكلة في الإعلام الرئاسي الموريتاني مرتبطة بنقص المواد المنشورة أو غياب الحضور الإعلامي، بقدر ما ترتبط بطريقة إدارة هذه المادة وتحويلها إلى خطاب إعلامي متكامل. فالمكتب الإعلامي لرئاسة الجمهورية يمتلك يومياً مادة سياسية وبصرية هائلة، تتمثل في خطابات الرئيس، زياراته، اجتماعاته، قراراته ولقاءاته، لكنه لا يستثمر دائماً هذه المادة بما يكفي لبناء سردية واضحة ومتماسكة عن رؤية الرئيس للدولة ومسارها.

ومن هذه الزاوية، يمكن تسجيل عدد من الملاحظات المهنية:

1- من “نشاط الرئيس” إلى “رؤية الرئيس”

  • المواد الرئاسية تنقل في كثير من الأحيان ماذا فعل الرئيس وأين ذهب ومن استقبل، لكنها لا تبذل القدر نفسه من الجهد في الإجابة عن السؤال الأهم: ماذا يريد الرئيس أن يقول للبلد؟

  • الزيارات والاجتماعات ليست غاية إعلامية في حد ذاتها؛ قيمتها الحقيقية تكمن فيما تحمله من سياسات وتوجهات وقرارات ورسائل.

  • المطلوب هو تحويل كل نشاط رئاسي إلى جزء من قصة أكبر تشرح مسار الدولة، لا إلى خبر منفصل ينتهي بانتهاء المناسبة.

2- غياب السردية الإعلامية الجامعة

  • الخطابات الرئاسية تحتوي على قضايا وأفكار ورسائل متعددة، لكن التعامل معها غالباً يأتي في صورة أخبار متفرقة.

  • لا يظهر دائماً الخيط الذي يربط خطاباً بخطاب، أو وعداً سابقاً بإجراء لاحق، أو مشروعاً بإحدى أولويات الدولة.

  • الإعلام الرئاسي يحتاج إلى بناء سردية واضحة حول: أين كانت البلاد؟ ماذا تحقق؟ ما الذي لم يتحقق؟ وما هي المرحلة المقبلة؟

3- البروتوكول يطغى أحياناً على السياسة

  • صور الوصول والاستقبال والمصافحة والاجتماعات أصبحت نمطاً متكرراً في التغطية.

  • بينما ينبغي أن تكون الأولوية للمضمون: ماذا قال الرئيس؟ ماذا وجه؟ ماذا قرر؟ وما الجديد الذي حملته الزيارة؟

  • المواطن لا يحتاج فقط إلى معرفة أن الرئيس وصل إلى ولاية ما، بل يحتاج إلى معرفة ماذا ستغير هذه الزيارة في حياة سكانها؟

4- ضعف تحويل الخطاب إلى مادة إعلامية حديثة

  • نشر الخطاب أو اختصاره في خبر عام لا يكفي في عصر الإعلام الرقمي.

  • الخطاب الواحد يمكن تحويله إلى مجموعة مواد: أبرز خمس رسائل، أهم الأرقام، القرارات الجديدة، الالتزامات، القضايا التي تحتاج إلى متابعة، ومقاطع قصيرة قابلة للتداول.

  • بهذه الطريقة يصبح الخطاب مادة إعلامية متعددة الاستخدامات، بدلاً من أن يبقى نصاً طويلاً أو خبراً تقليدياً.

5- الصورة الرئاسية تحتاج إلى الانتقال من التوثيق إلى الرواية

  • الصورة الرسمية توثق الحدث، لكنها ليست دائماً قادرة على رواية الحدث.

  • هناك فرق بين صورة الرئيس وهو يصافح المسؤولين، وصورة مشروع أو مدرسة أو طريق أو مستشفى أو محطة كهرباء مرتبطة مباشرة بما يتحدث عنه الرئيس.

  • الصورة الأقوى إعلامياً هي التي تجعل المواطن يرى موضوع السياسة العامة وليس فقط صاحب القرار.

6- الفيديو ما زال بحاجة إلى عقلية المحتوى الرقمي

  • تسجيل خطاب كامل أو اجتماع رسمي يحقق وظيفة أرشيفية، لكنه لا يكفي لصناعة حضور رقمي مؤثر.

  • بعد كل خطاب أو زيارة يمكن إنتاج مقاطع قصيرة: “أبرز ما قال الرئيس”، “أهم القرارات”، “ماذا يعني هذا المشروع؟”، “أرقام من الزيارة”، أو “رسالة الرئيس في دقيقة”.

  • المطلوب ليس فقط تصوير الحدث، بل إنتاج محتوى من الحدث.

7- غياب “المقطع القابل للتداول”

  • المؤسسات السياسية الحديثة لا تنتظر الصحفيين والصفحات حتى تستخرج أهم جملة من خطاب الرئيس.

  • المكتب الإعلامي نفسه يجب أن يحدد الرسالة الأساسية ويقدمها في صورة بصرية مختصرة، واضحة، ومهيأة للنشر على مختلف المنصات.

  • فالمنافسة الإعلامية اليوم ليست على من يملك المعلومة فقط، وإنما على من يستطيع تقديمها بصورة أسرع وأوضح وأكثر قابلية للتداول.

8- اللغة البروتوكولية تحتاج إلى مساحة أقل

  • التكرار المفرط للعبارات التشريفية والصيغ الرسمية يمكن أن يطغى على جوهر الخبر.

  • الإعلام الرئاسي الرسمي يستطيع أن يحافظ على احترام المقام الرئاسي، وفي الوقت نفسه يستخدم لغة صحفية أكثر مباشرة وكثافة.

  • الخبر الجيد يبدأ من المعلومة، لا من التشريفات.

9- السؤال الذي يجب أن يحكم كل خبر: ما الجديد؟

  • كل مادة إعلامية رئاسية ينبغي أن تجيب منذ العنوان والمقدمة عن سؤال بسيط: ما الذي حدث اليوم ولم يكن معروفاً بالأمس؟

  • هل هناك قرار جديد؟ توجيه جديد؟ مشروع جديد؟ رقم جديد؟ التزام جديد؟

  • وإذا لم يكن هناك جديد، فالأفضل أن تعالج المادة المناسبة باعتبارها توثيقاً، لا أن تقدم في قالب يوحي بوجود حدث سياسي كبير.

10- ثروة الأرشيف الرئاسي غير مستثمرة بما يكفي

  • تمتلك الرئاسة أرشيفاً مهماً من الخطب والبرامج والبيانات والتعهدات والمشاريع.

  • لكن الأرشيف لا ينبغي أن يكون مجرد مستودع للمواد القديمة؛ يمكن تحويله إلى ذاكرة سياسية حية.

  • مثلاً: ماذا قال الرئيس عن التعليم في بداية المأمورية؟ ماذا تحقق؟ ماذا تغير؟ ماذا بقي؟ وماذا قال لاحقاً؟

  • وماذا عن البنية التحتية، الطاقة، التشغيل، الصحة، الزراعة، مكافحة الفساد وغيرها؟

11- الحاجة إلى إعلام يتابع الالتزام لا الإعلان فقط

  • الإعلان عن مشروع ليس نهاية القصة الإعلامية، بل بدايتها.

  • عندما تعلن الرئاسة عن مشروع أو التزام، ينبغي أن تعود إليه بعد أشهر لتقول: أين وصل؟ ما نسبة الإنجاز؟ ما كلفته؟ ومتى يكتمل؟

  • هذه المتابعة تمنح الخطاب الرئاسي قيمة أكبر لأنها تربط الكلام بالنتائج.

12- الفرق بين مكتب يوثق الرئيس ومؤسسة تشرح الدولة

  • هنا تكمن المسألة الأساسية.

  • وظيفة الإعلام الرئاسي الحديث لا ينبغي أن تقتصر على توثيق تحركات الرئيس، وإنما أن يساعد الجمهور على فهم ما الذي تفعله الدولة ولماذا وكيف وإلى أين تتجه.

  • الرئيس هو محور النشاط، لكن الدولة هي القصة الأكبر.

الخلاصة

المشكلة، إذن، ليست في قلة الصور أو الأخبار أو الفيديوهات، وإنما في هندسة المادة الإعلامية: ماذا نختار؟ ماذا نبرز؟ ماذا نصور؟ ماذا نقتطع من الخطاب؟ وكيف نربط تصريح الرئيس اليوم بما قاله بالأمس وما تحقق على الأرض؟

إن المكتب الإعلامي للرئاسة يمتلك مادة خاماً استثنائية: رئيس يتحرك في الداخل، خطابات، مشاريع، اجتماعات، قرارات وأرقام. لكن القيمة الحقيقية لا تكمن في كثرة نشر هذه المواد، وإنما في القدرة على تحويلها إلى قصة متماسكة عن الدولة ومسارها.

وبعبارة أكثر مباشرة: المطلوب أن ينتقل الإعلام الرئاسي من “توثيق نشاط الرئيس” إلى “صناعة ذاكرة الدولة وشرح رؤيتها”.

فالرئيس لا يحتاج إلى مزيد من الصور التي تثبت أنه حضر، بقدر ما يحتاج الإعلام الرئاسي إلى أن يوضح للمواطن ماذا قال، ماذا قرر، ماذا تحقق، وماذا ينتظر البلاد في المرحلة المقبلة.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى