المستعرضمال وأعمال

تمويلات البنك الدولي القياسية لموريتانيا.. مؤشر تنموي أم عبء مؤجل؟

رؤيا بوست: أعاد إعلان البنك الدولي عن حصول موريتانيا خلال السنوات السبع الأخيرة على تمويلات تقارب ما حصلت عليه خلال نحو ستة عقود من الشراكة مع المؤسسة الدولية، فتح النقاش حول دلالة هذا التطور: هل يعكس تحسناً في الوضع الاقتصادي وقدرة أكبر على تعبئة الموارد، أم أنه ينذر بتراكم أعباء مالية على الموازنة مستقبلاً؟

وفق المعطيات المنشورة، بلغت التمويلات الملتزم بها لموريتانيا خلال السنوات الأخيرة نحو 1.64 مليار دولار، مقابل نحو 1.63 مليار دولار خلال الفترة السابقة، فيما بلغ إجمالي التمويلات منذ بدء التعاون مع مجموعة البنك الدولي نحو 3.27 مليار دولار.

من الناحية الإيجابية، تمثل هذه التمويلات فرصة مهمة لاقتصاد محدود الموارد، خصوصاً أنها توجه إلى قطاعات ذات أثر مباشر على التنمية، مثل التعليم والصحة والمياه والصرف الصحي والحماية الاجتماعية والزراعة والتشغيل. كما أن جانباً مهماً منها يأتي في صورة منح وقروض ميسرة طويلة الأجل، وهو ما يجعلها أقل كلفة من الاقتراض التجاري.

لكن ارتفاع التمويلات لا يعني تلقائياً أن الاقتصاد أصبح أكثر قوة، ولا أن الاقتراض في حد ذاته مؤشر على التعافي. فالقرض يظل التزاماً مستقبلياً، وتتحول فائدته الاقتصادية إلى عبء إذا وُجه إلى إنفاق لا يولد قيمة مضافة أو موارد جديدة قادرة على المساهمة في تسديده.

وفي الحالة الموريتانية، تبدو الصورة أكثر توازناً. فالتقييم المشترك الأخير لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي يصنف مخاطر الدين عند المستوى المتوسط، مع اعتبار الدين مستداماً في السيناريو الأساسي. كما انخفضت نسبة الدين الخارجي الحكومي إلى الناتج المحلي من نحو 36.9% عام 2024 إلى 33.3% عام 2025.

وعليه، فإن كثافة التمويلات الدولية يمكن اعتبارها مؤشراً إيجابياً على قدرة موريتانيا على تعبئة التمويل الدولي وتنفيذ برامج تنموية، لكنها ليست بمفردها دليلاً قاطعاً على التعافي الاقتصادي أو الاستقرار المالي.

المؤشر الأهم هو ما إذا كانت هذه الأموال تتحول إلى استثمارات منتجة، وبنية تحتية، ورأس مال بشري، ومشاريع ترفع الإنتاجية وفرص العمل والإيرادات. فإذا تحقق ذلك، يصبح الاقتراض أداة للنمو؛ أما إذا تحول إلى وسيلة لتمويل نفقات لا تولد عائداً اقتصادياً، فإنه قد يتحول تدريجياً إلى ضغط على الموازنة.

كما أن الحصول على تمويلات البنك الدولي يعكس، بدرجة معينة، قدرة موريتانيا على استيفاء معايير ومتطلبات المؤسسات الدولية المتعلقة بالسياسات والمؤسسات وإدارة المشاريع والاقتصاد، لكنه لا ينبغي تفسيره وحده باعتباره شهادة على «التعافي الاقتصادي».

الخلاصة:
موريتانيا لا تبدو، وفق التقييمات الدولية الحالية، أمام أزمة ديون، لكن ارتفاع التمويلات يفرض مسؤولية أكبر في إدارة الدين وتوجيهه. ولذلك فإن السؤال الاقتصادي الحقيقي ليس: كم اقترضت موريتانيا؟ بل: ماذا صنعت بهذه الأموال، وما العائد الذي ستنتجه للاقتصاد قبل موعد سدادها؟

فنجاح التمويل لا يقاس بحجم القروض والمنح التي تدخل البلاد، وإنما بقدرتها على تحويل تلك الأموال إلى نمو مستدام يقلل الحاجة إلى الاقتراض مستقبلاً.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى