الددو بين المنام والسياسة و«الجهاد عن بُعد»/ المامي ولد جدو
2020-03-04
المامي ولد جدو
تثير بعض فتاوى الشيخ محمد الحسن الددو بشأن الحروب والتدخلات العسكرية في المنطقة العربية سؤالاً يتجاوز الموقف من حرب بعينها: متى تتحول الفتوى من اجتهاد ديني إلى غطاء شرعي لمشروع سياسي وعسكري لدولة ما؟
المشكلة هنا ليست في أن يكون للشيخ موقف من الحرب التركية في سوريا مثلاً، ولا في أن يختلف مع غيره في توصيف أطرافها، وإنما في أن تُمنح العمليات العسكرية التي تقوم بها دولة إقليمية في أراضي دولة أخرى، عباءة دينية، وأن تتحول المعركة من نزاع جيوسياسي معقد إلى «جهاد» و«نصرة» و«شهادة»، بمجرد أن يكون الطرف المتدخل مسلماً.
في إحدى الروايات المتداولة عن الشيخ، انه ارتبط موقفه من التدخل التركي في سوريا برؤيا منامية رأى فيها، بحسب تفسيره، مشهداً له صلة ببيعة معاوية بن أبي سفيان، ثم أسقط ذلك على الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وما يجري في سوريا. وهنا تبدأ المفارقة: الحرب التي تحتاج إلى خرائط وحدود ومصالح دولية وقانون دولي ودراسة لأوضاع السكان، يمكن أن تصبح في خطاب الوعظ السياسي مسألة رؤيا ليلية تحتاج فقط إلى شيخ يجيد تفسيرها!
والأكثر إثارة للتساؤل أن الدعوة إلى النصرة والجهاد تأتي أحياناً من خارج ساحة المعركة، بينما يدفع الجنود والمدنيون على الأرض ثمن الحرب دماً ودماراً ونزوحاً.
لا يعني ذلك، بطبيعة الحال، أن العالم أو الفقيه مطالب بأن يحمل السلاح بنفسه حتى يحق له الحديث عن الحرب، فالرأي في القضايا العامة لا يشترط المشاركة الميدانية. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول خطاب «الجهاد» إلى دعوة عامة للآخرين، بينما يبقى صاحب الدعوة بعيداً عن تبعات القرار الذي يدعو إليه، فيتحول الجهاد إلى نسخة دينية من العمل عن بُعد: خطبة أو مقطع فيديو من إسطنبول، او الدوحة، وميدان المعركة في مكان آخر.
والأخطر من ذلك هو اختزال الصراعات الإقليمية في ثنائية شديدة التبسيط: هذا الطرف «مجاهد»، وذاك «غازٍ»، وهذا «محرر»، وذاك «عدو».
فالحرب السورية لم تكن يوماً بهذه البساطة، لقد تداخلت فيها قوى محلية وإقليمية ودولية، وتغيرت تحالفاتها ومصالحها بصورة متكررة، ولم تكن تركيا تتحرك في سوريا بدافع ديني صرف، كما لم تكن القوى الأخرى تتحرك بدوافع دينية خالصة.
حتى الخطاب التركي نفسه قدم التدخل العسكري في شمال سوريا، في مراحل مختلفة، باعتباره مرتبطاً بأمن الحدود ومواجهة تنظيمات تعتبرها أنقرة تهديداً لها. ومن حق أي محلل أو فقيه أن يوافق على هذا التبرير أو يرفضه، لكن تحويله إلى «جهاد شرعي واجب على كل مسلم» ينقل النقاش من السياسة إلى مساحة أخرى تماماً.
وهنا تبرز مفارقة أخرى: إذا كان دخول جيش دولة إلى أراضي دولة أخرى يمكن أن يصبح «جهاداً» بمجرد أن يراه أحد العلماء نصرةً للمسلمين، فما الذي يمنع علماء دولة أخرى من استخدام المنطق نفسه لتبرير تدخل جيشهم في بلد جار؟ وإذا كانت كل دولة تستطيع العثور على جماعة مسلحة أو أقلية مضطهدة لتقديم تدخلها باعتباره «نصرة»، فسنكون أمام عالم لا تنقصه الحروب، وإنما تنقصه فقط الفتاوى المناسبة لكل حرب.
المسألة تصبح أكثر حساسية عندما تدخل الرؤى والمنامات في صناعة الموقف السياسي. الرؤيا قد تكون ذات قيمة روحية لصاحبها، لكن تحويلها إلى أساس لتحديد الموقف من حرب دولية، أو إلى دليل على صواب مشروع عسكري، يضعف المسافة الضرورية بين الإيمان الشخصي وبين القرار العام الذي قد تترتب عليه حياة البشر ودماؤهم.
ومن المفارقات أيضاً أن بعض الفقهاء الذين يرفعون سقف خطاب الجهاد في حروب بين المسلمين، لا يقدمون بالضرورة خطاباً مماثلاً عندما يتعلق الأمر بتعقيدات الواقع ومآلات الحرب ومسؤولية من يدعو إليها.
فالجندي الذي يموت في المعركة ليس «مشهداً» في خطاب سياسي، والمدني الذي يفقد منزله ليس رقماً في بيان عسكري، والشاب الذي يُدفع إلى ساحة القتال بناء على خطاب ديني ليس تفصيلاً هامشياً في قصة سياسية.
وهنا يصبح السؤال مشروعاً: هل الفتوى تعني فقط تحديد من يستحق أن يُقاتل، أم تشمل أيضاً تحديد من يتحمل مسؤولية النتائج؟.