رأي

حين يصبح التكريم بديلاً عن الإصلاح/ حمادي آباتي

ليست المشكلة في أن تُكرِّم الدولة من خدمها، ولا في أن تكافئ من ترى أنه أدى واجبه بإخلاص. فالتكريم، حين يكون مستحقًا، تقليدٌ محمود، والدولة التي تنصف أبناءها وتحفظ لهم فضلهم دولةٌ تحترم مؤسساتها ورجالها.

لكن المشكلة تبدأ حين يتحول التكريم من تقديرٍ مستحق إلى سياسةٍ قائمة بذاتها، وحين تصبح المكافآت بلا أدوار واضحة، ولا مهام معلنة، ولا نتائج يمكن للرأي العام أن يفهم على أساسها سبب هذا الاستثناء أو ذاك. عندها يصبح السؤال مشروعًا: هل نحن أمام تكريم لأداءٍ معلوم، أم أمام تسوياتٍ سياسيةٍ يراد منها إغلاق ملفاتٍ مفتوحة؟

لقد بدا في الآونة الأخيرة أن سياسة حكومتنا بدأت تخرج عن المألوف في إدارة الشأن العام؛ فبدل أن يكون معيار التقدير هو الكفاءة والإنجاز والمسؤولية، أصبح المواطن يرى أحيانًا مكافآتٍ وأدوارًا لا تبدو علاقتها بالاستحقاق واضحة. ولا يعني ذلك اتهامًا لأحد، لكنه يفرض سؤالًا لا ينبغي للدولة أن تنزعج منه: ما الدور الذي استحق صاحبه هذا التكريم؟ وما الخدمة العامة التي قدمها؟ وما القيمة المضافة التي سيقدمها من الآن فصاعدًا؟

والأخطر أن المواطن قد يقرأ بعض هذه الإجراءات قراءةً سياسية مختلفة: هل هي مكافأة على خدمات لم تُعلن تفاصيلها؟ أم محاولة لشراء الصمت؟ أم استرضاء لمن يعرفون ما لا يعرفه الرأي العام؟

وهنا تصبح الشفافية ضرورة، لا ترفًا.

فإذا كانت الدولة ترفع شعار الإصلاح، وتحارب الفساد، وتتحدث عن الحكامة الرشيدة، فإن أول ما تحتاج إليه هو أن تجعل قراراتها قابلة للفهم والتفسير. أما أن تُرفع شعارات الإصلاح في الواجهة، بينما تُدار في الخلفية ترتيباتٌ لا يعرف المواطن أسبابها ولا معاييرها، فذلك يخلق تناقضًا خطيرًا بين الخطاب والممارسة.

لقد تعب المواطن من الحملات والشعارات. تعب من أن يُطلب منه التصفيق كلما قيل له إن مرحلةً جديدة بدأت، وإن الفساد يُحارب، وإن الدولة تتجه نحو الحكامة، ثم يجد نفسه أمام نفس الوجوه، ونفس الأساليب، ونفس الامتيازات، وربما نفس النتائج.

والأكثر إثارة للقلق أن تُستعمل الوطنية نفسها لتعبئة المجتمع وراء خيارات سياسية لم تُناقش بما يكفي. فالحملات التي ترفع شعار «وطني وجهتي»، إذا تحولت من التعبير الطبيعي عن حب الوطن إلى وسيلة لحشد الشارع خلف مشروع سياسي يراد منه تعديل قواعد اللعبة الدستورية أو فتح الباب أمام تمديدٍ جديد، فإن الأمر يتجاوز حدود التعبئة العاطفية إلى قضية سياسية ودستورية ينبغي أن تناقش بوضوح.

الوطنية ليست أن نردد الأغنية التي يريدها السياسي، وإنما أن نحمي الدولة من أن تصبح الأغنية غطاءً على الأسئلة الحقيقية.

ومن بين تلك الأسئلة: لماذا لم تتبلور حتى الآن صورة واضحة لمرحلة ما بعد الرئيس الحالي؟ ولماذا يبدو المشهد السياسي وكأنه ينتظر توافقًا لا يُعلن عنه؟ وهل ثمة أزمة في اختيار الخليفة أم أزمة في طبيعة الدور الذي اعتادت المؤسسة العسكرية أن تلعبه في صناعة التحولات السياسية؟

هذه أسئلة مشروعة، لكن من المهم أن تظل في إطار التحليل السياسي لا في إطار الأخبار غير الموثقة.

فالمؤسسة العسكرية، في أي دولة، ينبغي أن تكون مؤسسةً وطنيةً محترفة، لا طرفًا في لعبة السلطة. وكلما ازداد الحديث عن التقاعد، أو عن مستقبل الضباط، أو عن أدوارهم السياسية، ازداد احتياج البلاد إلى قواعد واضحة تمنع الغموض وتغلق أبواب التأويل.

أما الحديث عن الضباط المتقاعدين، أو عن منعهم من ممارسة السياسة، أو عن منح بعضهم امتيازات مالية مدى الحياة، أو عن إعادة بعضهم إلى وظائف مدنية، فيجب أن يُقاس بمعيار واحد: هل تخدم هذه الإجراءات بناء مؤسسة عسكرية مهنية، أم أنها مجرد ترتيبات لإدارة توازنات داخلية؟

فالدولة الحديثة لا تُدار بالشائعات، ولا بالتسويات السرية، ولا بإرضاء هذا الطرف وإسكات ذاك الطرف. تُدار بالقانون والمؤسسات، وبقواعد يعرفها الجميع وتطبق على الجميع.

وإذا صح أن بعض الضباط يعاد توظيفهم خارج المؤسسة العسكرية، فيجب أن يكون ذلك وفق حاجة الدولة وكفاءة الشخص، لا كوسيلة لإسكات اعتراض أو احتواء طموح. وإذا تقرر منح امتيازات للمتقاعدين، فيجب أن تكون جزءًا من نظام عام عادل، لا مكافآت انتقائية تثير الشكوك.

المشكلة، في النهاية، ليست في الأشخاص وحدهم، وإنما في النظام الذي يجعل الأشخاص أكبر من المؤسسات.

وهنا نصل إلى المفارقة الكبرى: كيف يمكن أن نتحدث عن محاربة الفساد، بينما تظل بعض مواقع النفوذ والمكافآت محكومة بمنطق الولاء أكثر من منطق الإنجاز؟ وكيف نقنع المواطن بأن الدولة تقطع مع الماضي، بينما يرى بأم عينيه إعادة تدوير بعض رموز الماضي في مواقع جديدة؟

الإصلاح الحقيقي لا يعني تغيير الوجوه فقط، ولا توزيع المناصب، ولا إطلاق الحملات الإعلامية. الإصلاح يعني أن يصبح المنصب مسؤوليةً لا مكافأة، وأن يصبح التكريم نتيجةً لعملٍ معلوم، وأن يصبح المال العام أمانةً لا وسيلةً لاسترضاء أصحاب النفوذ.

أما إذا أصبح شعار الإصلاح غطاءً لتكريس الذين أخفقوا، أو أصبح شعار محاربة الفساد وسيلةً لإعادة ترتيب مواقع الفاسدين، فإننا لا نكون قد حاربنا الفساد، بل نكون قد منحناه عمرًا جديدًا.

ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث لأي نظام سياسي هو أن ينجح في إقناع المواطن بأن الصمت أكثر فائدة من الكلام، وأن الولاء أكثر ربحًا من الكفاءة، وأن القرب من السلطة أقصر طريق إلى التكريم.

عندها لا تعود الدولة تكافئ من يخدمها، بل تكافئ من يعرف كيف يخدم النظام.

وهذه هي اللحظة التي ينبغي عندها أن يتوقف الجميع قليلًا، لا دفاعًا عن المعارضة ولا انتصارًا للموالاة، وإنما دفاعًا عن الدولة نفسها.

فالدولة التي تريد أن تحارب الفساد لا تحتاج إلى شعارات أكثر، بل إلى شفافية أكثر.

والدولة التي تريد إصلاحًا حقيقيًا لا تحتاج إلى حملات تعبئة، بل إلى مؤسسات قوية.

والدولة التي تريد أن تكرّم أبناءها لا تحتاج إلى مكافآت غامضة، بل إلى معايير معلنة.

أما المواطن، فقد ملَّ من الأعراس السياسية التي يدفع فاتورتها من جيبه، ومن التكريمات التي لا يعرف سببها، ومن الشعارات التي تعده بالإصلاح ثم تتركه يكتشف أن الوجوه تغيرت، بينما بقيت قواعد اللعبة كما هي.

ليس المطلوب أن نُسقط أحدًا، ولا أن نُدين أحدًا بلا دليل؛ المطلوب فقط أن نعرف: لماذا كُرِّم هذا؟ ولماذا عُيِّن ذاك؟ ومن دفع الثمن؟ ومن استفاد؟ وهل كان معيار القرار هو المصلحة العامة، أم مصلحة السلطة؟

فحين يصبح الجواب واضحًا، تصبح الدولة أكثر احترامًا لمواطنيها.

وحين يغيب الجواب، يصبح الصمت نفسه سؤالًا.

حمادي سيدي محمد آباتي

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى