تشهد موريتانيا في المرحلة الراهنة لحظة سياسية دقيقة تتقاطع فيها تحديات داخلية مع تحولات إقليمية متسارعة. وفي مثل هذه اللحظات، يصبح الحوار السياسي خياراً استراتيجياً لا مجرد مبادرة ظرفية. ومن هذا المنطلق تأتي دعوة التهدئة والانفتاح على الحوار التي يقودها فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني باعتبارها محاولة لترسيخ مناخ سياسي أكثر استقراراً وقدرة على مواجهة التحديات.
إن الحوار بين مختلف الفاعلين السياسيين ــ من أحزاب موالاة ومعارضة، ونخب فكرية ومدنية ــ يشكل آلية حضارية لإدارة الاختلافات وتجنب الانزلاق نحو التوترات التي قد تضعف تماسك الدولة والمجتمع. فالتجارب السياسية في العديد من الدول أثبتت أن غياب قنوات التواصل بين الفرقاء غالباً ما يؤدي إلى تعميق الأزمات بدلاً من حلها.
وتكتسب دعوة التهدئة في موريتانيا أهمية مضاعفة في ظل السياق الإقليمي المعقد الذي تعيشه منطقة الساحل وغرب إفريقيا. فقد شهدت المنطقة خلال السنوات الأخيرة سلسلة من التحولات السياسية والأمنية، إضافة إلى تنامي التحديات الاقتصادية والضغوط الاجتماعية. وفي هذا المناخ، يصبح الحفاظ على الاستقرار الداخلي أولوية وطنية تتطلب قدراً عالياً من الحكمة السياسية وروح المسؤولية لدى جميع الأطراف.
كما أن الحوار لا ينبغي أن يُفهم بوصفه مجرد لقاءات سياسية شكلية، بل باعتباره مساراً يهدف إلى بناء الثقة بين الفاعلين السياسيين، وتوسيع قاعدة التوافق حول القضايا الوطنية الكبرى مثل الإصلاحات السياسية، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وتطوير الاقتصاد، وترسيخ دولة القانون. فالحوار الحقيقي هو الذي يسمح بمناقشة الاختلافات بصدق ويبحث عن أرضيات مشتركة تخدم المصلحة العامة.
من جهة أخرى، فإن التجربة السياسية الموريتانية خلال العقود الماضية أظهرت أن التوافقات الوطنية الكبرى كانت دائماً عاملاً حاسماً في تجاوز الأزمات وفتح آفاق جديدة للإصلاح والاستقرار. ولذلك فإن استثمار اللحظة الحالية لبناء مناخ من التهدئة قد يتيح فرصة لإطلاق ديناميكية سياسية أكثر نضجاً وتوازناً.
وفي النهاية، يبقى نجاح أي حوار مرتبطاً بصدق الإرادة السياسية لدى جميع الأطراف، وبالقدرة على تغليب المصلحة الوطنية على الحسابات الضيقة. فإذا توفرت هذه الإرادة، فإن الحوار يمكن أن يتحول إلى رافعة حقيقية لتعزيز الاستقرار وترسيخ الديمقراطية في موريتانيا، في وقت تحتاج فيه المنطقة بأسرها إلى نماذج ناجحة في إدارة الاختلاف وبناء التوافق.
إن موريتانيا، بما تمتلكه من رصيد تاريخي من الاعتدال والتعايش، قادرة على تحويل دعوة التهدئة إلى فرصة لبناء مرحلة سياسية جديدة أكثر استقراراً وانفتاحاً، يكون الحوار فيها الطريق الأقصر نحو مستقبل أفضل.
خالد مولاي إدريس
نواكشوط 07\03\2026
زر الذهاب إلى الأعلى