المستعرضكتابنا

موريتانيا تحت مجهر واشنطن.. خطر حقيقي أم ظلّ الإرهاب الإقليمي؟/ المامي جدو

موريتانيا لم تقم بإزاحة الارهاب فقط وإنما عملت على تجفيف منابعه و مواجهته فكريا…

هذا ما قاله وزير الدفاع حنن ولد سيدي في مؤتمر الامن في ميونخ الالمانية.

ولهذا يثير التحذير الصادر عن الخارجية الأمريكية بشأن السفر إلى موريتانيا نقاشاً مشروعاً حول حقيقة الوضع الأمني في البلاد، خصوصاً في ظل تقديم الإرهاب والجريمة وبعض المخاطر الصحية باعتبارها أسباباً تدفع الأمريكيين إلى «إعادة النظر في السفر».

لكن قراءة هذا التحذير بموضوعية تقتضي التمييز بين وجود مخاطر أمنية في منطقة الساحل وبين القول إن موريتانيا نفسها تعيش وضعاً أمنياً مضطرباً.

فالخارجية الأمريكية تصنف موريتانيا في المستوى الثالث، أي «إعادة النظر في السفر»، وليس في المستوى الرابع الذي يعني «عدم السفر». والأهم أن التحذير يضع المناطق الحدودية مع مالي والجزائر، وبعض المناطق التي تحددها السلطات الموريتانية كمناطق محظورة، في مستوى أعلى من الخطورة. وهذا في حد ذاته يؤكد أن واشنطن تميز بين الوضع الأمني العام داخل البلاد وبين المناطق ذات الحساسية الحدودية.

موريتانيا ليست مالي ولا بوركينا فاسو ولا النيجر

ربما تكمن المشكلة الأكبر في قراءة الوضع الموريتاني من خلال الخريطة الأمنية للساحل ككل.

فالمنطقة المحيطة بموريتانيا تشهد بالفعل تصاعداً خطيراً لنشاط الجماعات المسلحة، خصوصاً في مالي وبوركينا فاسو والنيجر. وتشير تقارير حديثة إلى استمرار توسع الجماعات الجهادية وتزايد الهجمات في منطقة الساحل.

لكن وجود الخطر على الحدود لا يعني أن الخطر موجود بالدرجة نفسها داخل الأراضي الموريتانية.

بل إن المفارقة التي تستحق التوقف عندها هي أن موريتانيا تقع في قلب هذه المنطقة المضطربة، وتجاور مالي، إحدى أكثر بؤر النشاط الجهادي خطورة في العالم، ومع ذلك حافظت على استقرار أمني لافت مقارنة بمحيطها الإقليمي.

وهنا ينبغي أن يكون السؤال: لماذا نجحت موريتانيا في تجنب انتقال موجة العنف التي ضربت جيرانها إلى داخل مدنها ومراكزها السكانية؟

غياب الهجمات الإرهابية داخل المدن ليس تفصيلاً

عند تقييم مستوى الأمان في أي بلد، لا يكفي أن نقول إن هناك جماعات إرهابية تنشط في المنطقة المحيطة به.

السؤال الأهم هو: هل تستطيع هذه الجماعات تنفيذ عمليات داخل البلد؟ وهل تستهدف المدن والسكان والأجانب بصورة منتظمة؟

وهنا تبدو التجربة الموريتانية مختلفة بصورة واضحة عن عدد من دول الساحل.

فموريتانيا تمكنت خلال السنوات الماضية من المحافظة على درجة عالية من الاستقرار الأمني، رغم موقعها الجغرافي الصعب، ورغم امتلاكها حدوداً طويلة مع مالي، ورغم وجودها في فضاء إقليمي شهد تمدداً غير مسبوق للجماعات المسلحة.

وهذا الاستقرار لا ينبغي اختزاله في عبارة عامة مثل «وجود خطر الإرهاب في الساحل».

الحدود ليست هي نواكشوط

من أكثر النقاط التي تستحق النقاش في التحذير الأمريكي أن جزءاً مهماً من المخاطر التي يتحدث عنها يتعلق بالمناطق الحدودية والنائية.

وهذه المناطق تختلف جذرياً عن المراكز الحضرية الرئيسية، وخاصة نواكشوط.

فالمسافر إلى العاصمة الموريتانية لا يعيش بالضرورة الظروف الأمنية نفسها التي قد يواجهها شخص يتحرك في مناطق صحراوية نائية قريبة من حدود مالي أو الجزائر.

والخارجية الأمريكية نفسها تعتمد هذا التمييز في نظامها للتحذيرات، إذ تجعل بعض المناطق الموريتانية في مستوى «لا تسافر»، بينما يبقى باقي البلد في مستوى «إعادة النظر في السفر».

لذلك فإن تقديم التحذير للرأي العام باعتباره حكماً شاملاً بأن «موريتانيا بلد غير آمن» سيكون قراءة غير دقيقة لمضمونه.

حتى الجريمة ليست ظاهرة موريتانية استثنائية

أما الاستناد إلى الجريمة والسرقات والاعتداءات، فهو أمر مفهوم في أي تقييم أمني، لكنه يحتاج إلى وضعه في سياقه.

فوزارة الخارجية الأمريكية نفسها توضح أن نظام تحذيرات السفر لديها يقوم على مجموعة من مؤشرات المخاطر، من بينها الجريمة والإرهاب والاضطرابات وغيرها، وليس على معيار واحد يتعلق بوجود هجمات إرهابية فعلية.

وبالتالي فإن إدراج «الجريمة» في التحذير لا يعني بالضرورة أن موريتانيا تشهد وضعاً استثنائياً مقارنة بالدول الأخرى التي يعيش فيها المواطنون والزوار بشكل طبيعي رغم وجود معدلات معينة من الجرائم.

بل إن الولايات المتحدة نفسها تضع دولاً متقدمة ومستقرة في مستويات تحذير مختلفة بسبب الجريمة أو الإرهاب أو الاضطرابات. وهذا يوضح أن وجود مؤشر خطر لا يساوي تلقائياً انهيار الأمن أو عدم الاستقرار.

المفارقة الموريتانية

ربما تكون المفارقة الأبرز أن موريتانيا توجد في واحدة من أكثر المناطق اضطراباً أمنياً في العالم، لكنها في الوقت نفسه نجحت في بناء مساحة أمنية مستقرة نسبياً داخل حدودها.

ففي الوقت الذي تتحدث فيه التقارير الدولية عن استمرار توسع الجماعات المسلحة في الساحل، وعن تزايد الهجمات وتعقد المشهد الأمني في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، بقيت موريتانيا خارج دائرة العنف المسلح الواسع الذي اجتاح هذه الدول.

بل إن التقارير الحديثة عن منطقة الساحل تضع موريتانيا في سياق مختلف عن دول الوسط الساحلي التي تشهد مواجهات عسكرية وهجمات متكررة على نطاق واسع.

وهذا لا يعني أن موريتانيا خالية من المخاطر، ولا أن التهديد الإرهابي يمكن تجاهله؛ بل يعني أن النجاح الأمني الموريتاني نفسه يستحق أن يكون جزءاً من تقييم الصورة.

التحذير الأمريكي يحتاج إلى قراءة لا إلى تهويل

من حق أي دولة أن تحذر مواطنيها من السفر إلى مناطق ترى أنها تنطوي على مخاطر.

ومن حق الولايات المتحدة، بطبيعة الحال، أن تعتمد معاييرها الخاصة في تقييم المخاطر التي يتعرض لها مواطنوها.

لكن من حق موريتانيا أيضاً أن تطرح سؤالاً موضوعياً: هل تعكس هذه التحذيرات مستوى الخطر الفعلي داخل البلاد، أم أنها تتأثر بصورة أكبر بالموقع الجغرافي لموريتانيا داخل منطقة الساحل؟

فالخريطة الإقليمية اليوم لا تخطئ في إظهار خطورة الوضع في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، حيث تصنف الولايات المتحدة دولاً مثل مالي والنيجر في المستوى الرابع «لا تسافر».

أما موريتانيا فليست في الوضع نفسه.

وهذا الفرق ليس تفصيلاً بروتوكولياً، وإنما يعكس فارقاً حقيقياً في طبيعة المخاطر.

موريتانيا.. جزيرة استقرار في محيط مضطرب

الأكثر إنصافاً لموريتانيا هو ألا تُقدَّم باعتبارها دولة خالية من المخاطر، فهذا غير واقعي، وإنما باعتبارها دولة نجحت في الحفاظ على أمنها واستقرارها في واحدة من أكثر البيئات الإقليمية اضطراباً في العالم.

فالموقع الجغرافي الذي كان يمكن أن يجعلها ضحية مباشرة للفوضى الإقليمية تحول، بفعل السياسات الأمنية والرقابة الحدودية وقدرة الأجهزة المختصة على منع تمدد الجماعات المسلحة، إلى أحد أهم عناصر التجربة الأمنية الموريتانية.

ولهذا فإن التحذير الأمريكي، بدلاً من أن يُقرأ باعتباره شهادة على «عدم أمن موريتانيا»، يمكن أن يكون مناسبة لطرح سؤال أكبر وأكثر دقة:

كيف استطاعت موريتانيا أن تبقى آمنة نسبياً، بينما تمددت الجماعات المسلحة في معظم محيطها الإقليمي؟

وهنا تكمن القصة الحقيقية.

موريتانيا ليست دولة بلا تحديات، لكنها أيضاً ليست دولة غارقة في الإرهاب أو الفوضى. إنها دولة تقف على حدود منطقة مضطربة، وتواجه مخاطر حقيقية، لكنها نجحت حتى الآن في إبقاء تلك المخاطر إلى حد كبير خارج مراكزها السكانية الرئيسية.

وفي منطقة الساحل، حيث أصبح الاستقرار استثناءً أكثر منه قاعدة، فإن مجرد الحفاظ على هذا المستوى من الأمن لسنوات متتالية يمثل في حد ذاته مؤشراً يستحق الاعتراف والدراسة، لا التجاهل أو التقليل من شأنه.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى