في نص أدبي مشحون بالدلالات السياسية، اختار السياسي والوجيه جدو ولد خطري، في مقاله المعنون «أَكيْدار»، توظيف حكاية من البيئة الحسانية وعالم الإبل والقوافل، لتقديم قراءة رمزية لمسألة القيادة والكفاءة وحدود التفويض، في نص يبدو أنه يتجاوز ظاهره التراثي إلى إسقاطات على واقع إدارة السلطة والعلاقات داخل دوائر القرار.
ويستعيد الكاتب في مقاله تفاصيل قافلة إبل يقودها رجل يحظى بثقة جماله وانقيادها، قبل أن يقرر ترك قيادة القافلة لحمار مفضل لديه، ظناً منه أن الجمال ستواصل السير خلفه كما اعتادت السير خلفه وهو راكبه.
غير أن القافلة تتوقف مرتين، وتضطرب أحمالها، في مشهد يضع صاحبها أمام سؤال جوهري حول أسباب رفض الجمال الانقياد للحمار، رغم ما يتمتع به من طاعة وقرب من صاحبه.
ومن خلال إجابة أحد خبراء الإبل، يبني ولد خطري الفكرة المركزية لنصه، ومفادها أن القافلة لا تتبع الحمار لذاته، وإنما تتبع صاحبها الذي يستخدمه وسيلة للتنقل والقيادة، وأن ما يحظى به الحمار من قبول في وجود صاحبه لا يعني بالضرورة أهليته لتولي قيادة القافلة في غيابه.
وتبدو هذه الحكاية، بما تتضمنه من رموز، قابلة لقراءة سياسية تتصل بعلاقة القيادة بالتفويض، والفرق بين الثقة الشخصية والكفاءة، وبين امتلاك القرب من مركز القرار والقدرة على إدارة المنظومة والحصول على قبول مكوناتها.
كما يثير ظهور الحمار الثاني، الأصغر سناً، وإبعاده عن المشهد، دلالات إضافية تتعلق بالتنافس على مواقع القيادة وحدود منح الأدوار، وإن كان الكاتب لم يسمّ شخصيات سياسية بعينها أو يقدم مفاتيح صريحة لتحديد المقصود بكل رمز.
وتكمن أهمية المقال في أن نقده لا يتجه إلى الحمار بوصفه حيواناً غير نافع، وإنما إلى قرار وضعه في موقع القيادة، وهي نقطة تمنح الحكاية بعدها السياسي، وتفتح الباب أمام قراءات تتعلق بالاختيارات داخل دوائر السلطة، ومدى قدرة الشخصيات المفوض إليها على اكتساب القبول والثقة بعيداً عن نفوذ من اختارها.
ويختتم ولد خطري نصه بخلاصة مباشرة، مفادها أن القيادة لا تقوم على مجرد امتلاك أدواتها أو تفويضها للآخرين، وإنما على الحضور والكفاءة والقدرة على تحريك المنظومة، في رسالة رمزية تختصرها الحكاية بعبارة: «من تركها لحمار، ولو كان وديعاً، فلا يلومنّ إلا نفسه إذا سقط الحمل».
زر الذهاب إلى الأعلى