رؤيا بوست: قد تبدو قصة هابي بنت رباح، في ظاهرها، قصة امرأة تستعد لدخول الجمعية الوطنية خلفًا لنائبة فقدت مقعدها، لكن اختزالها في مجرد عملية استخلاف برلماني يُفقدها جانبًا كبيرًا من معناها الاجتماعي والسياسي.
من امرأة كان الآخرون يملكون سلطة تقرير مصيرها، إلى امرأة تصبح محمية بقواعد دستورية بسبب موقعها داخل مؤسسة الدولة.
ومن شخص كانت مهمته جلب الماء من البئر، إلى شخص يشارك في النقاش حول القوانين التي تنظم حياة ملايين المواطنين.
فالرجل أو المرأة اللذان يدخلان قبة البرلمان لا يدخلانها باعتبارهما أصحاب تجربة شخصية فحسب، وإنما باعتبارهما جزءًا من مؤسسة يفترض أن تمثل المجتمع كله، وتناقش قوانينه، وتراقب الحكومة، وتشرّع للناس.
من الذي حرر هابي ؟
ولا تكتمل قصة انتقال حابي رباح من الهامش إلى المشهد العام دون استحضار أدوار أخرى غابت عن روايتها؛ فأمينة بنت المختار هي التي اقنعتها بمرافقتهم بعد أن تعهدت بعلاج ابنها، لم تكتفِ بمرافقتها، بل اصطحبتها إلى تيگنت واشترت لها ولأطفالها الملابس، وساهمت مع الراحل الحقوقي الكبير ببكر ولد مسعود، رئيس منظمة نجدة العبيد، في استئجار منزل لها وتقاسم إيجاره بين المنظمتين، كما قامت بتوظيفها في رابطة النساء معيلات الأسر كعاملة نظافة، وتوظيف شقيقها حارساً لمقر الرابطة، وتسجيل ابنها في المدرسة والتكفل بمصاريف دراسته. ومع ذلك، لا تحضر هذه التفاصيل في الرواية التي تقدمها رباح اليوم عن مسارها، رغم أنها شكلت، وفق هذه الرواية، جانباً من الدعم الذي رافق انتقالها إلى حياة جديدة.
ومن هنا تكتسب حالة هابي رباح دلالتها.
بحسب روايات منشورة عنها، عاشت هابي طفولتها وشبابها في وضعية استعباد، ولم تعرف التعليم، وعملت في الرعي وخدمة المنزل وإطعام المواشي وجلب المياه من الآبار لمسافات طويلة. وتقول المصادر إنها تحررت سنة 2008، قبل أن تنخرط في حركة إيرا وتتحول تدريجيًا من ضحية لنظام اجتماعي إلى ناشطة في مواجهته.
اليوم، وبعد سنوات من تلك الحياة، تجد المرأة التي كانت تحمل الماء على ظهرها نفسها أمام احتمال الجلوس تحت قبة المؤسسة التي تشرّع القوانين.
وهنا لا تعود المسألة مجرد انتقال فرد من موقع إلى موقع، وإنما تصبح صورة مكثفة لتحول اجتماعي عميق: من موقع كان الإنسان فيه موضوعًا للسلطة إلى موقع يصبح فيه شريكًا في صناعة القواعد التي تحكم المجتمع.
من العبودية إلى التشريع.. هل هناك سوابق؟
هذه الصورة ليست بلا نظير في التاريخ.
ففي الولايات المتحدة، بعد إلغاء العبودية والحرب الأهلية، تمكن عدد من الذين ولدوا مستعبدين من الوصول إلى المؤسسات السياسية والتشريعية.
روبرت سمولز، الذي ولد مستعبدًا في ولاية ساوث كارولينا، استطاع أن يهرب من العبودية خلال الحرب الأهلية، ثم دخل الحياة السياسية وانتُخب عضوًا في مجلس النواب الأمريكي وخدم فيه عدة ولايات. وتوثق مؤسسة مجلس النواب الأمريكي مسيرته بوصفه واحدًا من أبرز السياسيين السود الذين خرجوا من تجربة العبودية إلى السلطة التشريعية.
وفي مجلس الشيوخ الأمريكي، كان بلانش بروس، المولود في العبودية، من أبرز رموز التحول نفسه، إذ أصبح أول أمريكي أسود يُنتخب لولاية كاملة في مجلس الشيوخ.
لكن المقارنة ينبغي ألا تكون ميكانيكية.
فالولايات المتحدة آنذاك كانت تعيش مرحلة إعادة بناء سياسي كبرى أعقبت الحرب الأهلية، وكان تحرير المستعبدين وإعادة تعريف المواطنة والحقوق السياسية جزءًا من الصراع السياسي المركزي.
أما في موريتانيا، فإن حالة هابي رباح تأتي من سياق مختلف، حيث ما تزال قضية العبودية ومخلفاتها الاجتماعية والسياسية موضوعًا حاضرًا في النقاش العام، رغم إلغاء العبودية وتجريمها قانونيًا وتشديد التشريعات المتعلقة بها. وتشير وثائق حقوقية حديثة إلى أن موريتانيا ألغت العبودية رسميًا سنة 1981، وجرّمتها سنة 2007، ثم اعتمدت تشريعًا أكثر صرامة سنة 2015.
ولهذا، فإن دخول امرأة عاشت تجربة الاستعباد نفسها إلى المؤسسة التشريعية يكتسب معنى مختلفًا عن مجرد وصول أحد أبناء الفئات المهمشة إلى البرلمان.
موريتانيا نفسها عرفت تحولات مشابهة
والإنصاف يقتضي القول إن هابي رباح ليست أول شخصية من خلفية مرتبطة بالعبودية تصل إلى المؤسسة التشريعية الموريتانية.
ففي سنة 1996 وصلت فاطمة الزينة منت اسبغو إلى البرلمان، وكانت توصف آنذاك بأنها أول امرأة من هذه الخلفية الاجتماعية تصل إلى المؤسسة التشريعية. وبعد أكثر من عقد، أصبح مسعود ولد بلخير أول شخص من أحفاد المستعبدين يتولى رئاسة الجمعية الوطنية، في حدث اعتُبر وقتها ذا دلالة كبيرة على التحولات السياسية والاجتماعية في البلاد.
لكن مسار هابي أكثر حدة من الناحية الرمزية؛ لأن قصتها، كما روتها المصادر، تبدأ من تجربة شخصية مباشرة مع الاستعباد والأمية والعمل اليدوي الشاق، ثم تنتقل إلى النشاط الحقوقي والسياسي، وصولًا إلى عتبة البرلمان.
وهنا تطرح التجربة سؤالًا أكبر من قصة هابي نفسها:
هل يستطيع المجتمع أن ينقل شخصًا من الهامش الاجتماعي إلى مركز صناعة القرار خلال جيل واحد؟
الجواب الذي تقدمه هذه الحالة، بصرف النظر عن الموقف السياسي من حركة إيرا أو من مواقف هابي نفسها، هو أن المؤسسات السياسية يمكن أن تصبح أحيانًا مرآة للتحولات التي يشهدها المجتمع.
من الضحية إلى صاحبة المقعد
في قصة هابي مفارقة تستحق التأمل.
المرأة التي كانت، وفق رواياتها، لا تملك قرار وقت نومها أو عملها أو تنقلها، يمكن أن تصبح صاحبة حق في الكلام والتصويت والمشاركة في صياغة القوانين.
المرأة التي كان دورها ينحصر في الرعي وجلب الماء وخدمة الآخرين، تصبح في موقع يُفترض أن يكون فيه دورها مناقشة قضايا التعليم والصحة والاقتصاد والعدالة والحقوق والحريات، وليس فقط قضية العبودية.
وهنا تحديدًا يجب ألا تتحول القصة إلى مجرد احتفال رمزي.
فدخول البرلمان لا ينبغي أن يُقاس فقط بمن أين جاء النائب، وإنما بما يستطيع أن يقدمه داخله.
الأصل في البرلمان أن تكون المواطنة متساوية، وأن يكون المقعد البرلماني مساحة لمناقشة المصلحة العامة. ولذلك فإن قيمة تجربة هابي، إذا دخلت الجمعية الوطنية، لن تكون في كونها «امرأة كانت مستعبدة»، وإنما في قدرتها على تحويل تجربتها الشخصية إلى معرفة سياسية وتشريعية تخدم النقاش العام.
هل الأمية عائق أم جزء من المفارقة؟
قد تكون هذه النقطة الأكثر حساسية في القصة.
فإذا كانت هابي، كما تذكر المصادر، قد عاشت طفولتها وشبابها دون تعليم، فإن وصولها إلى البرلمان يفتح نقاشًا مشروعًا حول علاقة التمثيل السياسي بالتعليم والخبرة.
لكن ينبغي التفريق بين أمرين.
الأول هو الحق في الترشح والتمثيل السياسي، وهو حق لا ينبغي أن يرتبط بانتماء اجتماعي معين.
والثاني هو القدرة على ممارسة الوظيفة التشريعية، وهي مسألة يمكن أن تُناقش بمعايير الأداء والخبرة والقدرة على فهم الملفات ومناقشة القوانين، لا بمعايير الأصل الاجتماعي.
وبهذا المعنى، لا ينبغي أن تصبح أمية هابي سببًا لإقصائها، كما لا ينبغي أن تصبح قصتها الشخصية سببًا لإعفائها من السؤال الطبيعي حول أدائها السياسي والتشريعي.
فالديمقراطية لا تكتمل بمجرد فتح أبواب المؤسسات أمام الفئات المهمشة، وإنما تكتمل عندما يصبح هؤلاء قادرين على ممارسة السلطة العامة وفق القواعد نفسها التي يخضع لها الجميع.
نجاح إيرا.. أم تحدٍّ لها؟
من زاوية أخرى، يمكن النظر إلى قصة هابي باعتبارها واحدة من أبرز النتائج السياسية لمسار إيرا.
فالحركة التي نشأت في 2008 حول قضية مكافحة العبودية استطاعت أن تنقل القضية من فضاء الاحتجاج الحقوقي إلى الفضاء الانتخابي والتشريعي. وبرام نفسه دخل البرلمان في 2018 عبر تحالف «الصواب–إيرا»، ثم عاد نائبًا في 2023.
لكن وصول هابي إلى البرلمان، إذا اكتمل، سيضع الحركة أمام اختبار جديد.
فالانتقال من الشارع إلى البرلمان يعني الانتقال من لغة المطالبة إلى لغة التشريع.
ومن الاحتجاج على القانون إلى المشاركة في صياغته.
ومن رفع المظالم إلى البحث عن حلول لها.
وهنا ستكون قيمة التجربة في قدرة هابي وإيرا على تحويل الذاكرة الشخصية للعبودية إلى سياسات عامة تتعلق بالتعليم، والتمكين الاقتصادي، والعدالة الاجتماعية، ومكافحة آثار الاسترقاق، وليس فقط إعادة سرد تجربة الماضي.
البرلمان باعتباره نهاية للرحلة أم بدايتها؟
ربما تكون هذه هي الزاوية الأهم في قصة هابي رباح.
إذا دخلت الجمعية الوطنية، فلن تكون الرحلة قد انتهت.
بل ستبدأ مرحلة جديدة، أكثر صعوبة، لأن الانتقال من النضال الحقوقي إلى العمل التشريعي يفرض أدوات مختلفة.
الناشط يستطيع أن يحتج ويرفع صوته ويكشف الانتهاكات؛ أما البرلماني فعليه أن يحول المطالب إلى قوانين وسياسات ومقترحات، وأن يناقش الموازنة، ويراقب أداء الحكومة، ويتعامل مع قضايا تتجاوز القضية التي جاء منها.
وهنا ستكون تجربة هابي اختبارًا ليس لها وحدها، وإنما لفكرة أوسع:
هل تستطيع المؤسسات الموريتانية أن تحول رموز النضال الاجتماعي من مجرد أصوات احتجاج إلى شركاء في صناعة السياسات العامة؟
وفي المقابل، هل يستطيع هؤلاء الانتقال من منطق الحركة الاحتجاجية إلى منطق المؤسسة؟
ذلك هو السؤال الحقيقي.
من بئر الماء إلى قبة التشريع
في النهاية، ربما لا تحتاج قصة هابي رباح إلى كثير من المبالغة كي تبدو لافتة.
فالمسافة بين المرأة التي كانت تحمل الماء من البئر، وترعى المواشي وتعيش خارج دائرة التعليم والقرار، وبين المرأة التي قد تجلس في قاعة الجمعية الوطنية، ليست مسافة جغرافية.
إنها مسافة اجتماعية وسياسية هائلة.
وإذا كانت قصة روبرت سمولز وبلانش بروس في الولايات المتحدة قد أصبحت جزءًا من تاريخ الانتقال من العبودية إلى المواطنة السياسية، فإن تجربة هابي رباح، إن اكتمل دخولها إلى البرلمان، ستضيف فصلًا موريتانيًا إلى سؤال عالمي أقدم:
ماذا يحدث عندما ينتقل الإنسان من موقع كان يُفرض عليه فيه الصمت، إلى مؤسسة يفترض أن يكون فيها صوته جزءًا من صناعة القانون؟
قد تختلف الآراء حول إيرا، وحول خطابها السياسي والحقوقي، وحول مواقف هابي نفسها، لكن ذلك لا يلغي حقيقة أن مسارها الشخصي، من الاستعباد إلى النشاط الحقوقي ثم إلى عتبة المؤسسة التشريعية، يقدم واحدة من أكثر الصور كثافة للتحولات التي يمكن أن يصنعها الزمن والسياسة وتغير القواعد الاجتماعية.
فالبرلمان، في نهاية المطاف، ليس متحفًا للنخب، وإنما يفترض أن يكون صورة للمجتمع بكل تحولاته.
وإذا جلست هابي رباح تحت قبته، فإن المفارقة لن تكون في أنها وصلت إلى هناك، بل في أن المجتمع الذي كانت تعيش فيه خارج دائرة القرار هو نفسه الذي أصبح مطالبًا اليوم بأن يسمع صوتها من داخل المؤسسة التي تصنع القرار.
زر الذهاب إلى الأعلى