رؤيا بوست: لم يكن ظهور فرقة الجمالة «لكودة» التابعة للحرس الوطني في الاستعراض العسكري الذي احتضنته مدينة النعمة بمناسبة عيد الاستقلال الوطني، مجرد فقرة استعراضية ضمن تشكيلات عسكرية عديدة شاركت في المناسبة.
فالمشهد الذي لفت انتباه الجمهور كان مختلفاً؛ إذ حظيت الفرقة بتفاعل لافت وتصفيق وهتافات حارة، رغم أنها لم تدخل ساحة العرض بعربات مصفحة أو آليات عسكرية ثقيلة، وإنما على ظهور الجمال، في صورة تختزل جانباً من خصوصية البيئة الصحراوية الموريتانية، وتعيد إلى الواجهة تشكيلًا عسكرياً ارتبط تاريخياً بمهمة الانتشار في المناطق الوعرة والواسعة.
ولعل صورة الجمال وهي تتقدم في انتظام لافت، وسط الصمت النسبي لمحركات الآليات، تستعيد شيئاً من وصف المتنبي:
«وكان هَديراً من فُحُولٍ تركتها
مُهَلَّبَةَ الأذناب خُرس الشقاشق»
من الاستعراض إلى الوظيفة الميدانية:
يعود هذا التشكيل في جذوره إلى فرقة أنشأها الجيش الفرنسي سنة 1902 في منطقة آدرار.
وتشير المعطيات إلى أن «لكودة» ليست مجرد تشكيل مخصص للاستعراضات، وإنما وحدة ذات قابلية للانتشار والتدخل في المناطق الصحراوية، بحكم طبيعة تكوينها وقدرتها على الحركة في تضاريس يصعب على المركبات الوصول إليها.
وتتحدث المعطيات نفسها عن خطة لإعادة تعزيز صفوف الفرقة، من خلال إعداد نحو مائة عنصر إضافي كدفعة أولى، وصولاً إلى تشكيل ثلاثة «أذواد» من الجمالة، بعد أن ظل الموجود فعلياً في المرحلة الحالية «ذوداً» واحداً يضم نحو مائة رجل.
وبحسب العقيد إبراهيم ولد محمد صالح، فإن تعليمات القائد العام للحرس الوطني، الفريق مسقارو ولد سيدي، تتجه إلى إعادة بناء هذه القوة وتطويرها لتكون أكثر جاهزية وانتشاراً.

«لكودة».. عودة إلى وظيفة أمنية قديمة
تاريخياً، لم تكن الجمالة مجرد وحدة عسكرية مرتبطة بالإبل، بل كانت جزءاً من منظومة الانتشار الأمني في مناطق شاسعة تفرض طبيعتها الجغرافية وسائل حركة مختلفة عن تلك المستخدمة في المدن.
وكان العقيد المتقاعد عمر ولد ابيبكر أول قائد لفرقة الجمالة بصيغتها الحديثة، كما تولى قيادتها بين عامي 1999 و2004.
وتكتسب إعادة إحياء هذا التشكيل أهمية خاصة في الحوض الشرقي، حيث تتداخل المساحات الصحراوية المفتوحة مع القرب من الحدود المالية، في منطقة شهدت خلال السنوات الأخيرة تحولات أمنية عميقة بفعل تراجع حضور الدولة المالية في أجزاء واسعة من شمال مالي، وتصاعد نشاط الجماعات المسلحة والتنظيمات للمطالية بالإنفصال.
ومن هنا يمكن فهم الرهان الموريتاني على تعزيز الحضور الأمني والإداري في المناطق الحدودية، انه ليس فقط عبر الوحدات العسكرية التقليدية، وإنما أيضاً من خلال تشكيلات قادرة على الحركة المستمرة والانتشار في المناطق النائية.
فرقة “لكودة”..العرض العسكري الأكثر تنسيقا بالنعمة

من النعمة إلى ولاته.. الدولة تعود عبر الصحراء
في خطابه بمدينة ولاته، دعا رئيس الجمهورية محمد ولد عبد العزيز إلى فك العزلة عن القرى والمناطق البعيدة، وتطوير بنيتها التحتية، مع الحفاظ على خصوصيتها الثقافية والتاريخية.
غير أن الوصول إلى تلك المناطق لا يرتبط بالبنية التحتية وحدها؛ فهناك مسألة أساسية تتعلق بوجود الدولة وقدرتها على الوصول إلى السكان في مناطق شاسعة ومفتوحة.
ولهذا تبرز فكرة إعادة انتشار الجمالة في عدد من المواقع، من بينها حصن ولاته المعروف بـ«الخوبة»، وهو حصن يعود إلى الفترة الاستعمارية وشُيّد سنة 1915.
وبحسب المعطيات المتداولة حول المشروع، يُتوقع أن تتمركز فرقة من «لكودة» في هذا الموقع، بما يعيد إنتاج، -بصورة حديثة- جانباً من تجربة «حرس الدوائر» التي ظهرت في عشرينيات القرن الماضي.
ويرتبط هذا التوجه كذلك بمشروع لإنشاء مركز للتكوين ودعم الوحدات بين النعمة وولاتة، في إطار تصور أوسع لتعزيز الأمن والتنمية في المنطقة.
اكتتاب محلي لجيل جديد من الجمالة:
إعادة بناء الفرقة لا تتعلق بشراء الجمال والمعدات فقط، وإنما تحتاج قبل ذلك إلى العنصر البشري القادر على العمل في ظروف الصحراء.
وتشير المعطيات التي قدمها العقيد إبراهيم ولد محمد صالح في تصريح أعلامي إلى الحاجة إلى اكتتاب نحو 200 رجل من سكان الحوض الشرقي، وفق مواصفات خاصة تتلاءم مع طبيعة العمل في وحدات «المهاريتس» والجمالة.
ويعكس الاعتماد على أبناء المنطقة توجهاً له أكثر من بعد؛ فمن جهة، يعرف هؤلاء طبيعة المنطقة ومسالكها وبيئتها، ومن جهة أخرى يمكن أن يسهم وجود أبناء السكان المحليين ضمن القوة المنتشرة في تعزيز الصلة بين الوحدة الأمنية والمجتمع الذي تعمل داخله.
وبالطبع لا يمكن القول بأن فرقة رجال وإبل الحرس الوطني ستكون وحيدة في تلك القفار، الأمر لم يعد كذلك كما كان في بداية تشكيل حرس الدوائر، ولا حتى فرقة الجمالة في 1996، هناك الطيران العسكري، وطائرات بدون طيار، وكتيبة الجيش الوطني المرابطة في انبيكت لحواش_المقاطعة المستحدثة- التابعة لقوة دول الساحل الخمسG5.
هناك مشروع أوروبي بخصوصية موريتانية:
تدخل في هذا المشروع أيضاً مسألة التمويل والتجهيز.
فبحسب سفير الاتحاد الأوروبي، جياكومو دورازو، يتجه الاتحاد إلى تمويل اقتناء نحو 250 جملاً وتجهيزاتها، بكلفة تناهز 300 ألف يورو.
غير أن اقتناء هذا العدد من الحيوانات يطرح تحديات تختلف تماماً عن صفقات المعدات والآليات العسكرية التقليدية، خصوصاً ما يتعلق بمتطلبات الترقيم والتوثيق والتتبع التي تفرضها الإجراءات الأوروبية.
وهنا تظهر مفارقة لافتة: فالمشروع الذي يستهدف إعادة توظيف وسيلة نقل عسكرية تقليدية في بيئة صحراوية حديثة، يجد نفسه أمام إجراءات تنظيمية صُممت أساساً لعالم مختلف عن عالم الجمال.
الجمالة.. شرطة ودرك وقوة انتشار؟
تكمن أهمية «لكودة» في أن وظيفتها المحتملة لا تتوقف عند الجانب العسكري.
فوجود وحدة متحركة في مناطق نائية يمكن أن يمنح الدولة قدرة أكبر على تنفيذ مهام أمنية وإدارية واستخباراتية وخدمية، خصوصاً في المناطق التي لا تسمح طبيعتها الجغرافية بالانتشار المستمر للمركبات.
وبهذا المعنى، يمكن أن تصبح الجمالة إحدى أدوات «الحضور المتقدم» للدولة، وليس بديلاً عن الجيش أو الدرك أو الشرطة، وإنما قوة مساندة تعمل في الفراغات الجغرافية التي يصعب تغطيتها بالوسائل التقليدية.
فالجمل لا يحتاج إلى طريق معبد، ولا يتوقف عند كثبان رملية، ويمكنه الوصول إلى مناطق لا تستطيع السيارات رباعية الدفع بلوغها بسهولة.
وهذه الخصائص تجعل من الجمالة خياراً عملياً في بيئة صحراوية مترامية، رغم التطور الكبير الذي شهدته وسائل المراقبة والانتشار العسكري.
قوة تقليدية في منظومة أمنية حديثة:
إن إعادة إحياء الجمالة لا تعني العودة إلى منظومة أمنية قديمة.
فالوحدة، إذا أعيد تنظيمها وتوسيعها، ستعمل ضمن منظومة أمنية وعسكرية أكثر تطوراً بكثير من تلك التي كانت قائمة عند تأسيس حرس الدوائر أو عند ظهور فرق الجمالة الأولى.
ففي المنطقة نفسها توجد وحدات من القوات المسلحة، ووسائل استطلاع جوي، وطائرات مسيرة، إضافة إلى انتشار عسكري في انبيكت لحواش والمناطق المحاذية للحدود.
وبالتالي، فإن الوظيفة الأكثر واقعية للجمالة اليوم هي أن تكون حلقة وصل ميدانية بين التكنولوجيا الحديثة والجغرافيا القديمة؛ فالمسيّرة ترصد، والطائرة تراقب، والآلية تصل إلى حيث تستطيع، بينما يمكن للجمالة أن تتحرك في المناطق التي تظل فيها الوسائل البرية التقليدية محدودة الفاعلية.
استعادة الدولة.. من الأمن إلى التنمية:
الرهان الحقيقي على «لكودة» لا يتعلق في النهاية بعدد الجمال أو أفراد الفرقة، وإنما بما يمكن أن يمثله هذا الانتشار من عودة تدريجية للدولة إلى المناطق النائية.
فالأمن وحده لا يكفي لاستقرار الحوض الشرقي. فالقرى الحدودية تحتاج إلى الماء، والمرافق الصحية، والمدارس، والطرق، ودعم المنمين، وفتح المسالك، وربط السكان بالمراكز الحضرية.
ولهذا فإن أي انتشار أمني جديد لا يمكن أن يؤدي وظيفته كاملة إذا لم يتزامن مع حضور تنموي وإداري.
وفي هذه المعادلة يمكن أن تتحول «لكودة» إلى أكثر من فرقة عسكرية على ظهور الجمال؛ يمكن أن تكون إحدى أدوات الدولة في الوصول إلى مناطق ظل اتساعها الجغرافي عائقاً أمام الحضور المنتظم للمؤسسات.
الجمالة.. ذاكرة عسكرية وهوية ثقافية:
هناك أيضاً بُعد رمزي لا يمكن تجاهله.
فالجمال جزء من الذاكرة العسكرية الموريتانية، ووسيلة ارتبطت تاريخياً بالبيئة الصحراوية وبالثقافة المحلية، قبل أن تحل السيارات والطائرات ووسائل الاتصال الحديثة محلها في معظم المهام العسكرية.
وإعادة تنظيم الجمالة لا تعني بالضرورة الانتصار للماضي على حساب الحداثة، بل يمكن أن تعني توظيف عنصر من عناصر التراث العسكري والثقافي ضمن منظومة أمنية حديثة.
وفي هذا السياق، تبدو «لكودة» نموذجاً لافتاً لكيفية تحويل الخصوصية الجغرافية والثقافية إلى عنصر من عناصر القوة.
وبين قصائد الشعراء القديمة وطائرات الاستطلاع الحديثة، تبدو الجمالة اليوم أمام مهمة مختلفة: أن تجعل من الصحراء، التي كانت لعقود تحدياً أمام حضور الدولة، مجالاً جديداً لإثبات ذلك الحضور.
فإذا نجحت خطة إعادة الهيكلة والتكوين والانتشار، فإن «لكودة» قد لا تكون مجرد تشكيل عسكري استعاد مكانه في عروض الاستقلال، وإنما وحدة ميدانية تعكس تحولاً أوسع في مفهوم الأمن الحدودي الموريتاني: تكنولوجيا حديثة في السماء، وآليات على الأرض، وجمال قادرة على الوصول إلى حيث تنتهي الطرق.