رأي

هل فشلنا في تربية المواطن؟ سعدبوه الديه

تربية المواطن على حب الوطن ليست درسا عابرا في كتاب، ولا شعارا نرفعه في المناسبات، بل هي مسار طويل يبدأ من البيت ولا ينتهي عند حدود الجامعة أو الوظيفة. في موريتانيا اليوم، ومع ما نراه من اضطراب في الخطاب العام، ومن خلط بين حرية الرأي والعبث بثوابت الوطن، يصبح سؤال “كيف نربّي المواطن؟” سؤالا مصيريا لا ترفا فكريا.

المواطن يتكوّن وعيه من أربعة مجالات رئيسية: البيت، حيث يتعلم احترام الناس والمال العام والصدق في الكلمة؛ المدرسة، حيث يفهم معنى القانون والمسؤولية والانتماء لمجتمع لا يعيش فيه وحده؛ المسجد، حيث ترتبط قيم الدين بالعدل والأمانة والإحسان للناس؛ والإعلام وفضاء التواصل، حيث تتشكل صورة الوطن في ذهنه: تاريخه، رموزه، حدوده، وقضاياه الكبرى. فإذا اختلّت هذه الدوائر، ظهر جيل يرفع اسم الوطن في الكلام، لكنه يستهين به في السلوك والفكر.

تربية المواطن على حب الوطن لا تعني أن يتحول إلى مصفق دائم، بل أن يعي أن هناك مساحة واسعة للنقد والاعتراض، ومساحة أخرى ضيقة وحساسة اسمها “ثوابت الوطن”. من حق المواطن أن يقول: أعارض هذه الحكومة، أرفض هذه السياسة، أرى أن التعليم فاشل والصحة متدهورة. هذا جوهر الحرية، وشرط أساسي لأي نهضة حقيقية. لكن ليس من المقبول أن يتحول هذا الحق إلى باب للطعن في الأساس نفسه: أن يشكك في شرعية الحدود، أو يسخر من العلم، أو يستهزئ بالنشيد، أو يحتقر رموز الدولة الجامعة باسم حرية التعبير.

تظهر خطورة الخلل في تربية المواطن حين نرى مثلا صحافيا موريتانيا يجلس في قناة إعلامية ، ويردد بكل بساطة أن ولايات موريتانية “كانت تابعة لدولة مجاورة” ، دون سياق علمي رصين، ولا إحساس بحساسية وحدة التراب الوطني. قيلت الجملة، وضحك البعض، وسكت البعض، ومرّ الأمر وكأنه رأي عادي حول كرة القدم أو غلاء الأسعار. هنا يفرض الواقع سؤالًا حادًّا: عندما يصبح الطعن في وحدة التراب أمرًا عاديًّا، أهذا ما أدّى إلى خروج من يستهزئ بالعلم الوطني، أو يسخر من الاستقلال، أو يعلن بكل جرأة أن هذه الرموز «لا تمثّله»؟

ولكي نفهم الموضوع أكثر، يكفي أن نتخيّل المشهد في دول أخرى. هل يمكن لمواطن مغربي أن يقول بكل بساطة إن جزءا من الصحراء الغربية كانت تتبع لدولة أخرى، دون أن يُفهم كلامه على أنه مساس بقضية يعتبرها كل المغاربة قضية وجودية وليست ملفا حدوديا عاديا؟ وهل يمكن لجزائري أن يتحدث عن مطالبة دولة أخرى إعادة النظر في حدود الجنوب، دون أن يُنظر إلى كلامه على أنه يمس الأمن الوطني قبل أن يكون اجتهادا فكريا؟ و حتى في دول بعيدة عنا جغرافيا و ديمغرافيا، هل يمكن لمسؤول فرنسي أن يصرح أن ألزاس ولورين من حق ألمانيا تاريخيا، دون أن تنقلب عليه الدنيا سياسيا وإعلاميا؟ أو هل ينك لمواطن أمريكي أن يشكك في أمريكية ولاية آلاسكا دون أن يُعتبر ذلك ضربا في وحدة الاتحاد نفسه؟ هذه الأمثلة توضح أن قضايا الحدود والوحدة والتراب ليست “رأيًا عابرا” في أي دولة، بل هي صلب فكرة الوطن في وعي مواطنيها.

من هنا، يصبح الحديث عن “تربية المواطن” مرتبطا حتما بتمييز مهم: هناك رأي مشروع داخل البيت الوطني، ينتقد الأثاث وطريقة التسيير ويطالب بالإصلاح؛ وهناك عبث بالبيت نفسه يشكك في وجوده وحدوده وسقفه الذي يستظل به الجميع. الأول يجب أن يُحمى ويُصان، والثاني لا يمكن تركه يتحول إلى ثقافة عامة دون رد فعل.

في هذا السياق تظهر أيضا مسؤولية مؤسسات بعينها، ليس فقط الأسرة والمدرسة والمسجد والإعلام، بل كذلك أجهزة الأمن والمخابرات. عندما نسمع عبارة “مخابرات” قد يقفز إلى الذهن فورا الاعتقال والتحقيق والسرية والعصا الغليظة. لكن في الدول التي تفكر بعقل دولة لا بعقل لحظة، تصبح لأجهزة الاستخبارات وظيفة أخرى هادئة وغير مباشرة يمكن تسميتها “التربية الوقائية على حب الوطن”. هذه التربية لا تعني أن تتحول المخابرات إلى معلّم في الفصل، بل أن تستعمل أدواتها في الرصد والتحليل والتنبيه لحماية الوعي الوطني قبل أن ينفجر الخلل إلى أزمات.

كيف يكون ذلك؟ أولا، عبر رصد الخطابات التي تمس وحدة التراب الوطني والرموز السيادية، لا لاعتقال كل من يتكلم، بل لفهم الظاهرة: هل هي حالات فردية معزولة، أم موجة واسعة، أم جزء من حملات ممنهجة تستهدف البلد من الخارج أو عبر مواقع التواصل؟ ثانيا، عبر تنبيه صناع القرار والوزارات المعنية – التعليم، الإعلام، الشؤون الإسلامية، الثقافة والشباب – إلى مكامن الخلل. تقرير مهني واحد يرفع إلى المسؤولين يمكن أن يقول لهم: هناك فجوة حقيقية في وعي الأجيال الجديدة بتاريخ البلاد، هناك تكرار مقلق لخطاب يشكك في بعض المناطق، هناك استخفاف متزايد بالعلم والنشيد، وهذه مؤشرات إذا تركت دون معالجة ستتحول إلى مشكلة أمن وطني لا مجرد نقاش ثقافي.
ثالثا، يمكن لهذه الأجهزة أن تدفع – من الخلف، وبهدوء – في اتجاه إطلاق برامج جدية لا شكلية: مراجعة المناهج المدرسية لتقوية التاريخ المشترك، إنتاج محتوى إعلامي يحكي سيرة الوطن ورموزه دون مبالغة ولا تزييف، تنظيم ندوات في الجامعات حول معنى الأمن الوطني والمسؤولية الفردية، دعم خطاب ديني يربط بين حب الوطن وقيم الدين التي تحث على الوفاء بالعهد ورعاية الجماعة وعدم التخريب. بهذا المعنى، نعم، “يجب على مخابراتنا أن تساهم في تربية المواطنين”، لكن ليس عبر الخوف وحده، بل عبر دعم ثقافة احترام الدولة ورموزها وبناء وعي يجعل الاستخفاف بالعلم والنشيد مرفوضا شعبيا قبل أن يكون مجرّما قانونيا.

في المقابل، على الدولة أن تفهم أن الإفراط في القمع ينتج مواطنا خائفا لا محبا، وعلى المجتمع أن يفهم أن ترك الساحة لمن يعبث بالثوابت بحجة الحرية ينتج جيلا تائها لا منتميا. المواطن الذي نطمح إليه في موريتانيا هو إنسان حر في رأيه، صادق في نقده، شجاع في مواجهة الفساد والظلم، وفي الوقت نفسه واعٍ أن هناك خطوطا حمراء ليست لأن السلطة تريد ذلك، بل لأن فكرة الوطن نفسها تحتاج إلى حد أدنى من الإجماع: حدود نعترف بها، علم نحترمه، نشيد نقف له، رموز مشتركة لا نسخر منها حتى لو اختلفنا مع أشخاص في السلطة.

تربية المواطن مسؤولية مشتركة لا يمكن تفويضها لمؤسسة واحدة. إذا استقالت الأسرة، خرج جيل لا يعرف معنى الاحترام والانتماء. إذا تحولت المدرسة إلى مكان للامتحانات فقط، خرج منها حامل شهادات لا حامل رسالة. إذا انغلق المسجد عن قضايا الناس وهمومهم، ترك فراغا يملؤه خطاب متطرف أو عبثي. إذا ركض الإعلام وراء الإثارة ولم يميز بين النقاش الجاد والتهريج على الثوابت، ساهم في إضعاف هيبة الدولة في أعين مواطنيها. وإذا اكتفت أجهزة الأمن والمخابرات بدور العصا، دون أن تفكر في حماية الوعي قبل حماية الجغرافيا، ستجد نفسها دوما تتعامل مع النار بعد اشتعالها، لا قبل شرارتها.

في النهاية، يبقى السؤال الحقيقي: أي مواطن نريد، وأي وطن نستحق؟ وطن لا يحترم مواطنيه، لن يحبّه مواطنوه؛ ومواطن لا يحترم وطنه وحدوده ورموزه، لن يكون جديرا بأن يحمل اسمه. بين الإفراط في القمع والتفريط في الثوابت، هناك طريق ثالث هو طريق التربية الواعية، التي تتكامل فيها أدوار الأسرة والمدرسة والمسجد والإعلام والنخب، وتساندها أجهزة الأمن من الخلف، حتى يبقى الوطن فكرة قوية في العقول، لا مجرد خطوط على الخريطة، ويبقى العلم والنشيد رمزين للعزة، لا مادة للسخرية أو الاستهزاء. هذا هو جوهر مشروعنا إن أردنا لموريتانيا أن تكون قوية: أن نربّي المواطن ليحمي الوطن، بالحب قبل الخوف، وبالوعي قبل القانون.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى