رأي

لن تمزقنا فظاعات الماضي فرغم حدة الجراح، هنالك كلمة حب غير منطوقة./ سيدي اعل صافي

هناك قضايا لا ينبغي أن نتناولها بعقلية الخصومة بين الأشخاص أو المكونات، لأنها أعمق من ذلك كله، ولأن مستقبل الوطن قد يتوقف على الطريقة التي نعالج بها هذه القضايا.
لقد جمعت بين مكونات هذا المجتمع، عبر قرون، اللغة والثقافة والدين والجغرافيا والعادات والمصاهرة والتداخل الاجتماعي والمصالح والمصائر المشتركة.
العبودية جريمة في التاريخ، لكنها ليست هوية شعب.
ولحراطين أكبر من أن تختزل هويتهم في المظلومية
إن اختزال لحراطين في كونهم ضحايا للماضي، رغم أنه قد يصدر أحياناً عن رغبة في إنصافهم، يبقيهم أسرى لذلك الماضي.
لحراطين مواطنون كاملون، لهم تاريخهم وإسهامهم في بناء البلاد، ومن حقهم أن يطالبوا بالمساواة والعدالة والتنمية والتعليم وتكافؤ الفرص والتمثيل العادل، وأن يرفضوا كل شكل من أشكال التمييز.
لكنني لا أعتقد أن مستقبلهم يكون في القطيعة مع تاريخهم أو مع محيطهم الاجتماعي، وإنما في أن يصبحوا جزءاً كاملاً من دولة المواطنة التي لا تسأل المواطن عن أصله قبل أن تعترف بحقه.
كما أن البيظان ليسوا كتلة واحدة من «السادة»، ولا يجوز تحميل جيل كامل ذنب أجيال لم يعشها. فالعدل يقتضي أن نحاسب الإنسان على فعله، لا على نسبه أو مكونه.
العبودية قضية إنسان، لا قضية مكوّن
وهنا لا بد من التوقف عند مسألة جوهرية في أي خطاب جاد حول العبودية ومخلفاتها.
إن مواجهة العبودية في المجتمع العربي الحساني، والاعتراف بما خلفته من جراح وتراتبيات اجتماعية، أمر محمود ومفخرة أخلاقية متى كان هدفه تحرير الإنسان وترسيخ المواطنة. بل إن قدرة المجتمع على مراجعة ماضيه والتخلص من ممارسات بدائية ومهينة للكرامة الإنسانية دليل على قابليته للتطور والتصحيح.
لكن هذه الشجاعة الأخلاقية تفقد كثيراً من معناها إذا تحولت محاربة العبودية إلى ملف موجه بصورة شبه حصرية إلى مكوّن واحد، بينما يُتغاضى عن مظاهر الاسترقاق أو التراتبية الاجتماعية أو التمييز الموجودة في بعض المكونات الوطنية الأخرى.
فإذا كانت العبودية جريمة ضد الإنسان، فإنها تظل كذلك أياً كان لون المستعبِد والمستعبَد، وأياً كان المكوّن الذي وجدت فيه.
ومن حقنا هنا أن نتساءل، لا من باب التهرب من مسؤوليتنا تجاه تاريخنا، وإنما من باب الاتساق الأخلاقي:
كيف يمكن أن يكون ما نعتبره جريمة ضد الإنسانية عندما يقع في مجتمع، أمراً لا يستحق القدر نفسه من الاهتمام عندما توجد مظاهره في مجتمع آخر؟
إن السكوت عن أي ظلم لمجرد أن ضحاياه ينتمون إلى مكوّن آخر أمر يستحق التوقف عنده؛ لأن ذلك يجعلنا أمام أحد احتمالين: إما أن هناك انتقائية في التعاطي مع حقوق الإنسان، وإما أن بعض الخطابات التي ترفع شعار محاربة العبودية قد تجاوزت غايتها الحقوقية إلى توظيف سياسي يستهدف بنية اجتماعية بعينها.
ولا أريد أن أتهم أحداً بنوايا لا أملك عليها دليلاً، كما لا أريد أن أختزل نضالات صادقة في مؤامرة. لكن من حقنا جميعاً أن نطرح الأسئلة عندما نلاحظ أن المطالبة بالتغيير تُكثّف في اتجاه واحد، بينما تُترك مظالم أخرى بلا الاهتمام نفسه.
فالعبودية ليست قضية تخص المجتمع البيظاني وحده، بل هي قضية تمس الإثنيات الإفريقية الوطنية الأخرى بصورة لا تقل حدة.
ومن ثم فإن محاربتها يجب أن تكون شاملة وعادلة، لا انتقائية ولا موجهة ضد مكوّن بعينه.
فالحق لا يصبح حقاً لأن ضحيته من مكوّني، ولا يفقد حقانيته لأن ضحيته من مكوّن غيري.
وهذه هي اللحظة التي يتحول فيها النضال من صراع مكونات إلى مشروع وطني لتحرير الإنسان الموريتاني من كل ما ينتقص من كرامته.
المشكلة ليست في وجود المكونات، بل في بقاء التراتبيات
إذا كنا صادقين في رغبتنا في بناء مجتمع جديد، فعلينا أن نواجه كل التراتبيات الموروثة، لا بعضها.
فالعبودية ومخلفاتها تستحق المعالجة الجادة، ولكن ذلك لا ينبغي أن يتوقف عندها.
علينا أن نمد يد الإصلاح أيضاً إلى ما لحق بفئات المعلمين، وإيقاون، وآزناكة، واللحمة، وغيرها من صور التمييز أو النظرة الاجتماعية الدونية.
فليس من العدل أن نرفض تراتبية لأنها مست فئة، ثم نتسامح مع تراتبية أخرى لأنها مست فئة مختلفة.
الكرامة لا تتجزأ، والعدل لا لون له، والإنسان لا درجات له.
ومن هنا ينبغي أن تصبح مواجهة هذه المخلفات مسؤولية المجتمع كله، لا مهمة فئة بعينها.
بل إن على المجتمع البيظاني، بحكم قدرته الثقافية والاجتماعية، أن يكون في مقدمة هذه المراجعة، لا دفاعاً عن أخطاء الماضي، وإنما إيماناً بأن المجتمع الذي يستطيع أن يطهر نفسه من موروثاته الظالمة هو مجتمع قوي وجدير بالمستقبل.
والدولة هي الأداة الحقيقية للتغيير
إن إحداث التحولات الهيكلية في المجتمع لا يمكن أن يترك للمكونات الاجتماعية وحدها، ولا لصراعاتها الداخلية، ولا لخطابات التعبئة المتبادلة.
الدولة المركزية العادلة هي الأداة القادرة على إحداث تغيير عميق ومستدام.
فهي التي تستطيع أن تفرض سيادة القانون على الجميع، وتضمن المساواة في التعليم والعمل والجيش والإدارة والقضاء، وتحارب التمييز، وتفتح المجال أمام الفئات المهمشة، وتفكك تدريجياً البنى الاجتماعية التي تعيد إنتاج نفسها جيلاً بعد جيل.
أما تحويل الصراع إلى مواجهة بين المكونات، أو الانسحاب من الدولة إلى هويات مغلقة، فقد يبدو في ظاهره ثورة على البنية التقليدية، لكنه قد يؤدي عملياً إلى نتيجة عكسية: إعادة إنتاج البنية التقليدية نفسها، حيث تتولى الجماعات حماية مصالحها ومواقعها بعيداً عن سلطة الدولة والقانون.
فالبنية القديمة، مهما بدا أنها تراجعت، لا تزال تملك قابلية الاستمرار عندما تضعف الدولة أو تنحسر عن القيام بدورها.
ولهذا فإن معركتنا الحقيقية ليست بين «لحراطين» و«البيظان»، وإنما بين دولة المواطنة وبين كل البنى التي تجعل الإنسان أسير أصله أو طبقته أو لونه أو موقعه الاجتماعي.
لا نريد أن نورث أبناءنا أحقاد آبائهم
نحن مسؤولون عن إصلاح آثار الماضي، لكننا لسنا مسؤولين عن إعادة توزيع ذنوبه على أبناء اليوم.
لا ينبغي أن يرث البيظاني ذنباً لم يرتكبه، كما لا ينبغي أن يرث الحرطاني شعوراً بالدونية لمجرد أن تاريخاً اجتماعياً معيناً طبع حياة أسلافه.
إن أعظم انتصار على الماضي هو ألا نعيد إنتاج منطقه.
لا نريد أن نستبدل تراتبية بتراتبية، ولا استعلاء باستعلاء، ولا ظلماً بظلم.
نريد أن يتحول الألم إلى وعي، والوعي إلى إصلاح، والإصلاح إلى مواطنة.
فلنختر طريقاً لا نندم عليه
إنني لا أريد لموريتانيا أن تدخل في صراع هويات، ولا أن تتحول مطالب العدالة إلى مشروع قطيعة، كما لا أريد أن يتحول الخوف من التفكك إلى ذريعة لإنكار المظالم.
ولا أملك دليلاً يخولني الجزم بأن وراء كل خطاب هوياتي مشروعاً خارجياً منظماً، لكنني أعتقد أن علينا أن نكون يقظين تجاه كل خطاب يمكن أن تكون نتيجته تفتيت المجتمع وإضعاف الدولة، أياً كانت الشعارات التي يرفعها.
فنحن بلد مسالم، لم تعرف أرضنا، بحمد الله، ما عرفته بلدان أخرى من حروب أهلية وتمزق وويلات.
وهذه نعمة لا ينبغي أن نستهين بها.
فلنواجه تاريخنا بشجاعة، ولنعالج جراحنا بعدالة، ولنجعل الدولة أداة الإصلاح لا ساحة الصراع، ولنجعل محاربة العبودية وكل التراتبيات البغيضة مسؤولية وطنية مشتركة.
إن مستقبل لحراطين لا ينبغي أن يكون رهينة للماضي، ومستقبل البيظان لا ينبغي أن يكون رهينة للخوف من مراجعة الماضي؛ ومستقبل موريتانيا كلها لا ينبغي أن يكون رهينة لصراع المكونات.
فلنلتقِ في منتصف الطريق: لا إنكاراً للجرح، ولا توظيفاً له؛ لا انتقاماً من الماضي، ولا دفاعاً عنه؛ وإنما دولة عادلة، ومجتمع متصالح، ومواطنة لا درجات فيها.
فإن عجزنا عن مداواة جراحنا بأيدينا، فقد يأتي يوم لا نستطيع فيه التحكم في مسارها؛ وعندها لن يكون السؤال: من كان على حق؟ بل: كيف سمحنا لوطننا المسالم أن يدفع ثمن خلافات كان يمكن حلها بالحكمة والعدل والأخوة؟
فلنختر، ونحن ما زلنا نملك الاختيار، لغة الأخوة قبل أن تفرض علينا الأيام لغة الندم.
ومن جراح الماضي نستلهم الحلول لبناء وطن الأخوة والمساواة، حتى يكون الحسب نسباً، ويقف النسب عند حدود الفضيلة والشرف والإباء.
العقيد المتقاعد
سيدي ولد اعل صافي

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى