المستعرضكتابنا

رئيس محكمة العدل السامية … ما عدى مما بدى؟/ المامي ولد جدو

في واقعة الجمل، نُقل عن الإمام علي رضي الله عنه، مخاطبًا الزبير عبر ابن عباس: «عرفتني بالحجاز وأنكرتني بالعراق، فما عدا مما بدا؟»، أي: ما الذي تغيّر بين بيعتك الأولي ونقضك للبيعة لاحقاً؟

أثار  إعلان النائب محمد عبد الرحمن ولد الصبار، رئيس محكمة العدل السامية، دعمه للبيان المطالب بتعديل الدستور بما يسمح لرئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني بمأمورية ثالثة، سؤالًا قانونيًا يتجاوز الجدل السياسي حول المأمورية.

فأعضاء المحكمة يؤدون يمينًا يتعهدون بموجبها بأداء مهامهم بإخلاص، وممارستها «بكل حياد ونزاهة» والامتثال للدستور والقوانين، والمحافظة على سر المداولات، وألا يتخذوا موقفًا علنيًا أو يدلوا برأي خاص حول القضايا المعروضة أمام محكمة العدل السامية، وأن يتصرفوا بصفة عامة تصرف قاض نزيه مخلص.
وهذا التفصيل مهم؛ لأن النص لا يقول إن القاضي ممنوع من إبداء أي رأي سياسي، وإنما يربط المنع صراحة بالقضايا المعروضة أمام المحكمة، مع إلزامه في الوقت نفسه بأن يتصرف عمومًا تصرف قاض نزيه.

والمادة 28 من الدستور تنص على أن رئيس الجمهورية «يمكن إعادة انتخابه لمرة واحدة»، فيما تحظر المادة 99 مراجعة الأحكام المتعلقة بمبدأ التناوب الديمقراطي ومدة الولاية الرئاسية المحددة بخمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة.

وتكتسب دعوة ولد الصبار خصوصيتها من موقعه على رأس محكمة العدل السامية، وهي الهيئة التي يحدد الدستور اختصاصها بمحاكمة رئيس الجمهورية في حالة الخيانة العظمى.

ولا يتضمن القانون النظامي للمحكمة نصًا صريحًا يمنع رئيسها من إعلان موقف سياسي بشأن تعديل دستوري، وبالتالي لا يمكن القول قانونيًا إن مجرد دعمه للمأمورية الثالثة يسقط عضويته أو رئاسته للمحكمة.

غير أن القانون يلزم أعضاء المحكمة بالحياد والنزاهة، كما يتيح رد العضو، ويلزمه بالتصريح للمحكمة إذا رأى في نفسه سببًا قد يستدعي عزله عن نظر قضية معينة.

ومن هنا تبرز الإشكالية الحقيقية: إذا أصبحت قضية تخص رئيس الجمهورية مستقبلًا أمام محكمة العدل السامية، فهل يمكن لموقف رئيسها المعلن المؤيد لتعديل الدستور وتمكين الرئيس من مأمورية إضافية أن يثير شبهة حول حياده، أو يبرر طلب رده أو تنحيه؟

الإجابة ليست أن ولد الصبار أصبح ممنوعًا قانونًا من رئاسة المحكمة، وإنما أن موقفه يفتح نقاشًا جديًا حول مقتضيات الحياد القضائي ومظهر الاستقلال، خصوصًا أن المحكمة التي يرأسها هي الجهة الدستورية المختصة بمحاكمة رئيس الجمهورية في الحالات التي يحددها الدستور.

وبذلك، فإن المسألة المطروحة ليست سياسية فقط، بل تتعلق أيضًا بحدود التوفيق بين الحق في التعبير عن موقف سياسي وبين متطلبات الحياد المفترض في رئيس هيئة قضائية يمكن أن تنظر مستقبلًا في قضية تخص الشخص الذي أعلن دعمه السياسي .

في 2019، رفض ولد الصبار دعوات فتح المأمورية للرئيس السابق، وقال إن الرئيس نفسه لا يريدها، وبالتالي «فالنواب لا يريدون ما لا يريده الرئيس»؛ واليوم، وهو رئيس لمحكمة العدل السامية، يدعو إلى فتح المأمورية للرئيس الحالي.. فهل بات يرى أن الرئيس يريدها هذه المرة؟

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى