إن الدعوة إلى فتح نقاش وطني هادئ ومسؤول حول سؤال أكبر من الأشخاص وأبقى من الولايات الانتخابية هي فى جوهرها دعوة وطنية لا ينبغي الباس كل من يدعوا اليها لباس السياسة والمصلحة الخاصة
هل مصلحة موريتانيا تقتضي أن تتوقف الدولة عند نهاية الولاية الدستورية الحالية، أم أن من حق الموريتانيين أن يناقشوا، عبر المؤسسات والآليات الدستورية المشروعة، مستقبل المسار الذي بدأ خلال السنوات الأخيرة؟
وأنا أختار بوضوح الخيار الثاني.
ليست الدعوة إلى استمرار الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني في قيادة البلاد دعوة إلى الانقلاب على الدستور ولا هي مطالبة بالقفز على مبدأ التناوب ولا محاولة لفرض أمر واقع خارج المؤسسات
اقول هذا ليس لأنني أرى في الرئيس غزواني شخصا فوق الدستور ولا لأن الدساتير تُكتب لخدمة الحكام وإنما لأنني أؤمن بأن الدستور وُضع لتنظيم إرادة الأمة لا لمصادرة إرادتها وأن من حق الشعب أن يناقش نظامه الدستوري ما دام النقاش يتم سلمياً ومؤسسيا وبالوسائل القانونية ولا أحد يدعو إلى خرق الدستور
لنبدأ من النقطة التي يحاول البعض تحويلها إلى جدار إسمنتي أمام أي نقاش
الدستور الموريتاني الحالي ينص في المادة 28 على أن رئيس الجمهورية قابل لإعادة الانتخاب مرة واحدة كما تنص المادة 99 على أن مراجعة الدستور لا يمكن أن تمس مبدأ التناوب الديمقراطي والمبدأ الملازم له أي ولاية الرئيس المحددة بخمس سنوات والقابلة للتجديد مرة واحدة
هذه حقيقة لا ينبغي إنكارها ولهذا فإن الموقف المسؤول ليس أن نقول سيمدد الرئيس ولايته مهما كان فهذا خرق للدستور
الموقف الذي أطرحه مختلف تماما
لنحترم الدستور القائم ولنطالب في الوقت نفسه بفتح نقاش وطني حول مستقبل الدستور نفسه، وحول ما إذا كانت المصلحة الوطنية تقتضي إصلاحا دستوريا أوسع
فالحديث عن تعديل دستوري ليس في حد ذاته انقلابا على الدستور بل إن تعديل الدساتير جزء أصيل من القانون الدستوري المقارن لأن الدساتير مهما بلغت مكانتها قد تحتاج إلى التطوير استجابة للتحولات السياسية والاجتماعية وحاجات الدولة وتؤكد International IDEA وهي المعهد الدولي للديمقراطية والمساعدة الانتخابية أن التعديل الدستوري وسيلة رسمية لتغيير النص الدستوري، وأن الدساتير تحتاج أحياناً إلى التطور حتى تستجيب للحاجات السياسية والاجتماعية الجديدة
لكن موريتانيا في وضعها الحالي تضع قيداً أشد صرامة من مجرد أغلبية برلمانية أو استفتاء ولذلك فإن أي تغيير في هذا المجال يحتاج إلى معالجة دستورية وقانونية عميقة لا إلى التفاف سياسي
وماذا عن عبارة المواد المحصنة؟
هنا تحديداً ينبغي أن يكون النقاش أكثر علمية وأقل شعاراتية.
نعم، المادة 99 جعلت مبدأ التناوب ومدّة الولاية من المبادئ التي لا يجوز أن تبدأ إجراءات مراجعة الدستور بما يمسها.
وهذا يجعل الأمر مختلفاً عن تعديل مادة عادية.
لكن القول إن وجود «مواد محصنة» يعني أن النقاش نفسه محرم إلى الأبد هو قفزة من القانون إلى السياسة
فالفقه الدستوري المقارن يعرف ما يسمى ببنود التحصين أو الخلود الدستوري Eternity Clauses وهي بنود تضع بعض المبادئ خارج نطاق التعديل العادي وتوضح International IDEA أن أكثر من 70 دستوراً في العالم تتضمن بدرجات مختلفة أحكاماً غير قابلة للتعديل، وأن هذه الأحكام تختلف من دولة إلى أخرى، بل إن بعض الدساتير تجعل حدود الولايات الرئاسية نفسها غير قابلة للتعديل
لكن وجود هذه البنود لا يعني أن التاريخ السياسي والدستوري يتوقف بل يعني أن تغييرها إن كان ممكنا في نظام دستوري معين لا يمكن أن يتم بالطريقة نفسها التي تُعدل بها مادة عادية
وهنا يجب أن يكون النقاش الموريتاني أكثر نضجاً: هل نتحدث عن تعديل عادي؟ أم عن مراجعة دستورية شاملة؟ أم عن عملية تأسيسية جديدة؟ وما حدود سلطة الشعب التأسيسية؟ وما الضمانات التي ينبغي أن ترافق أي تغيير؟
هذه أسئلة قانونية جدية تستحق البحث وليست خيانة للدستور.
القانون الدولي لا يقول إن المأمورية الثالثة حق ومن الإنصاف أن نكون صريحين
لن أستعمل القانون الدولي بطريقة انتقائية لأقول إن هناك قاعدة دولية تمنح الرئيس غزواني حقاً في ولاية ثالثة. لا توجد قاعدة دولية عامة بهذا المعنى.
بل إن الاتجاه الدولي والإفريقي الحديث يعطي أهمية كبيرة لحدود الولايات الرئاسية والتناوب الديمقراطي
فاللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب أكدت في قرارها المتعلق بانتخابات 2026 ضرورة احترام الأحكام الدستورية والقوانين الانتخابية المتعلقة بحدود الولايات الرئاسية
كما أن الميثاق الإفريقي للديمقراطية والانتخابات والحكم ينص على أن بعض الوسائل غير القانونية للوصول إلى السلطة أو الاحتفاظ بها تشكل تغييراً غير دستوري للحكومة ويشمل ذلك تعديل الدستور بما ينتهك مبادئ التغيير الديمقراطي للحكومة.
إذن لا ينبغي لنا أن نكذب على أنفسنا أو على الناس.
المأمورية الثالثة ليست حقاً دولياً جاهزاً يمكن استدعاؤه من الخارج
لكن في المقابل لا يوجد في القانون الدولي مبدأ يقول إن الشعب ممنوع من مناقشة مستقبله الدستوري.
وهنا تكمن المساحة التي يجب أن نتحرك فيها: نقاش وطني حر ومؤسساتي وسلمي وشفاف لا تمديداً مفروضا ولا انقلابا على الدستور
حتى لجنة البندقية لا تقول إن تغيير حدود المأموريات مستحيل
وهذه نقطة مهمة جدا فتقرير لجنة البندقية التابعة لمجلس أوروبا حول حدود الولايات الرئاسية يقرر أن تعديل حدود الولاية الرئاسية يتطلب تعديلاً دستوريا وأن الشعب هو صاحب السلطة في تغيير نطاق التفويض الذي منحه للرئيس، وفق الإجراءات الدستورية المعمول بها
وفي الوقت نفسه تحذر اللجنة من أن تغيير حدود الولايات الرئاسية مسألة شديدة الحساسية، وأنها يجب أن تخضع لتدقيق عام واسع وتوافق سياسي ومجتمعي واسع، واحترام صارم للإجراءات الدستورية والقانونية وهذه بالضبط هي حجتي
أنا لا أطالب بإلغاء الدستور أنا أطالب بألا نقتل النقاش الدستوري.
ولا أطالب بقرار فردي بل بنقاش وطني ومؤسساتي واسع.
ولا أطالب بتجاوز الشعب بل أريد أن يكون الشعب، في النهاية، حاضراً في تقرير أي تحول دستوري كبير
لماذا غزواني تحديداً؟ هنا نصل إلى جوهر المسألة
الدولة ليست شركة يغير مديرها كل خمس سنوات ثم يبدأ المدير الجديد من الصفر والتنمية ليست مشروعا دعائيا يُكتب عليه اسم الرئيس الذي افتتحه والطرق والمياه والكهرباء والموانئ والمطارات والمدارس والمستشفيات والإصلاحات الإدارية والرقمنة والمشاريع الاقتصادية الكبرى ليست ملكا لشخص انما هي ملك للدولة وللأجيال القادمة
ومشكلتنا في العالم الثالث أن بعض الحكومات تبدأ مشاريع استراتيجية طويلة المدى، ثم تأتي حكومة أخرى فتتعامل معها باعتبارها إرثا سياسيا لسلفها فتتوقف أو تعاد صياغتها أو تبدأ من جديد، فقط لأن السياسي الجديد يريد أن يُقال إن المشروع مشروعه
هذه ليست ديمقراطية.هذه خسارة للمال والوقت والفرص.
الدولة الرشيدة هي التي تسأل
ما الذي يخدم موريتانيا؟
لا من سيحصل على الفضل السياسي؟
ومن هذا المنطلق، فإن استمرار الرئيس غزواني – إذا انتهى النقاش الوطني والمؤسسي إلى هذا الخيار – لا ينبغي أن يُفهم على أنه حب لشخص، وإنما باعتباره خياراً يتعلق باستمرارية مشروع دولة يحتاج إلى وقت حتى تكتمل حلقاته.
الاستمرارية ليست عبادة للأشخاص
أنا لا أقول إن غزواني معصوم من الخطأ.
ولا أقول إن حكومته حققت كل شيء.
ولا أقول إن موريتانيا لا تملك رجالاً آخرين قادرين على القيادة.
بل أقول شيئاً أبسط:
ليس من الحكمة أن نتعامل مع التداول السياسي وكأنه غاية في ذاته، بينما الغاية الحقيقية هي بناء دولة مستقرة وقادرة ومتطورة.
التناوب وسيلة لحماية الديمقراطية.
والديمقراطية وسيلة لخدمة الإنسان.
والدولة وسيلة لتحقيق المصلحة العامة.
فإذا تحول «التناوب» من وسيلة إلى صنم سياسي لا يجوز حتى مناقشة شروطه، فقد قلبنا الوسيلة إلى غاية.
وهذا هو الخطأ الذي يجب ألا نقع فيه.
وماذا عن الاحتقان السياسي؟
سيقول قائل:
«إن فتح الباب أمام المأمورية الثالثة سيقسم المجتمع.»
والجواب:
ربما يخلق نقاشاً سياسياً، نعم.
لكن منذ متى أصبح النقاش السياسي جريمة؟
كل إصلاح دستوري كبير يمكن أن يثير خلافاً.
السؤال الصحيح ليس:
هل سيحدث خلاف؟
بل:
هل يمكن إدارة الخلاف سلمياً ومؤسسياً؟
إذا كان الجواب نعم، فليس الخلاف سبباً لإغلاق الباب.
بل إن الحوار الوطني الذي يحترم المعارضة والموالاة، ويضمن حرية التعبير والاجتماع، ويعرض حجج المؤيدين والمعارضين على الناس، يمكن أن يحول القضية من أزمة محتملة إلى تمرين ديمقراطي ناضج.
وقد شددت لجنة البندقية نفسها على أهمية النقاش العام الحر والمفتوح في الإصلاحات الدستورية، وعلى أن النقاش غير الكافي أو المتعجل قد يضر بالاستقرار السياسي وشرعية الدستور نفسه.
إذن العلاج ليس قتل النقاش.
العلاج هو تنظيم النقاش.
إلى الذين يريدون إغلاق الباب نهائياً
إلى أولئك الذين يقولون: «انتهى الأمر، هناك تناوب، وهناك مادة محصنة، ولا كلام بعد ذلك»:
نحترم رأيكم، لكننا نختلف معكم في شيء جوهري.
الدستور ليس نصاً مقدساً منزلاً من السماء.
هو عقد سياسي وضعه البشر لتنظيم الدولة.
واحترامه اليوم لا يعني أن المجتمع فقد حقه في التفكير في مستقبله الدستوري غداً.
نعم، نحترم المادة 99.
نعم، نحترم المادة 28.
نعم، نرفض أي تمديد خارج القانون.
لكننا في الوقت نفسه نرفض أن يتحول تفسير الدستور إلى عقيدة سياسية تمنع الأجيال المقبلة من التفكير في دستورها.
والفارق كبير بين:
خرق الدستور
وبين
النقاش حول الدستور.
وبين:
تمديد ولاية الرئيس بالقوة أو بالأمر الواقع
وبين:
طرح مسألة دستورية على المجتمع ومؤسساته للنقاش وفق الضمانات التي يفرضها القانون.
هذه ليست فروقاً لغوية؛ إنها فروق جوهرية بين دولة القانون ودولة الأشخاص.
ولسنا أول دولة تناقش حدود المأموريات
الدراسات المقارنة تؤكد أن حدود الولايات الرئاسية أصبحت قاعدة شائعة في العالم، لكنها تكشف أيضاً عن اختلاف كبير في كيفية تنظيمها.
وتشير International IDEA إلى أن أكثر من 80% من الدساتير الرئاسية وشبه الرئاسية المعاصرة تتضمن حدوداً للولايات الرئاسية، كما توضح أن تجارب العالم أظهرت أن تصميم هذه الحدود، وكيفية تعديلها، يرتبط مباشرة بمسائل الاستقرار والانتقال السلمي للسلطة.
بل إن التجربة الإفريقية نفسها شهدت نقاشات وتعديلات دستورية متعددة حول مدد الرئاسة.
لكن هذا لا يعني أن موريتانيا مطالبة بتقليد أي دولة.
بل يعني شيئاً واحداً:
المسألة دستورية وسياسية عالمية، وليست بدعة موريتانية.
المصلحة الوطنية فوق الحسابات الشخصية
أنا أريد استمرار المشروع، لا استمرار الشخص لذاته.
وأريد أن تُقاس أي ولاية إضافية – إن اختار الموريتانيون يوماً فتح هذا الباب قانونياً – بما ستقدمه للدولة، لا بما ستقدمه للرئيس.
إذا كان المشروع التنموي يحتاج إلى سنوات إضافية حتى يؤتي ثماره، فلنناقش ذلك.
إذا كانت المشاريع الكبرى تحتاج إلى الاستمرارية، فلنناقش ذلك.
إذا كانت الإصلاحات الاقتصادية والإدارية والأمنية والاجتماعية قد قطعت شوطاً وتحتاج إلى استكمال، فلنناقش ذلك.
وإذا كان الشعب يرى العكس، فليقل الشعب كلمته.
أما أن نغلق الباب قبل أن يبدأ النقاش، فهذا ليس دفاعاً عن الديمقراطية.
الديمقراطية لا تخاف من السؤال.
الديمقراطية تخاف من منع السؤال.
كلمة أخيرة
أنا لا أدعو الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني إلى البقاء في الحكم رغماً عن الدستور.
ولا أدعو إلى تمديد غير قانوني.
ولا أدعو إلى تغيير مفروض من فوق.
أنا أدعو إلى شيء أكثر تواضعاً وأكثر عمقاً:
دعوا الموريتانيين يناقشون.
ناقشوا حصيلة السنوات الماضية.
ناقشوا المشاريع التي بدأت.
ناقشوا المشاريع التي لم تكتمل.
ناقشوا ما تحقق وما لم يتحقق.
ناقشوا تكلفة التغيير السياسي ومكاسب الاستمرارية.
ناقشوا المخاطر والمزايا.
ناقشوا الدستور نفسه.
ثم دعوا المؤسسات الدستورية وأصحاب الاختصاص والشعب، كلٌّ من موقعه، يبحثون عن الطريق القانوني الذي يخدم موريتانيا.
فإذا كانت النتيجة أن المأمورية الثالثة غير ممكنة دستورياً، فليكن ذلك.
وإذا خلص الموريتانيون إلى ضرورة تغيير دستوري، فليكن ذلك أيضاً عبر الطريق الذي يحفظ شرعية الدولة ومؤسساتها.
أما أن يقول لنا البعض إن مجرد التفكير في المسألة خيانة للديمقراطية، فهذا ما لا أقبله.
لأنني أؤمن أن الديمقراطية ليست فقط حق الشعب في اختيار من يحكمه؛ إنها أيضاً حقه في مناقشة القواعد التي تحكم عملية الاختيار نفسها.
ولأنني أؤمن أن موريتانيا لا تحتاج إلى معركة أشخاص، وإنما إلى معركة أفكار.
ولا تحتاج إلى رئيس يبني لنفسه مجداً، وإنما إلى دولة تكمل مشاريعها.
ولا تحتاج إلى أن تهدم كل حكومة ما بدأته الحكومة السابقة، وإنما إلى سياسة وطنية تستمر فيها المشاريع الاستراتيجية مهما تغيرت الوجوه.
لهذا أقول:
إذا كان استمرار محمد ولد الشيخ الغزواني هو الطريق الأكثر ضماناً لاستكمال مشروع وطني استراتيجي، فليكن النقاش حول ذلك مفتوحاً.
ليس لأن غزواني فوق الدستور.
بل لأن موريتانيا فوق الجميع.
وليس لأن المأمورية الثالثة حق مكتسب.
بل لأن المصلحة الوطنية تستحق أن تُناقش بجرأة، وبالعقل، وبالقانون.
والذين يخافون من هذا النقاش عليهم أن يقدموا حججهم.
أما إغلاق الباب بالشعارات، فلا يصنع ديمقراطية.
الدستور يحترم، والشعب يُحترم، والمؤسسات تُحترم، والوطن هو الحكم الأخير
زر الذهاب إلى الأعلى