إن المتتبع المنصف يدرك أن ما تحقق من نتائج إيجابية في تجربة الحوار والمراجعات الفكرية في موريتانيا مع السجناء السلفيين لم يكن وليد لحظة ولا نتاج لجنة بعينها بل هو ثمرة تراكم فكري عميق قاده علماء راسخون في مقدمتهم العلامة عبد الله بن بيه الذي وضع الأسس الكبرى لتفكيك خطاب الغلو عبر التأصيل العلمي والحوار الهادئ وتصحيح المفاهيم
وعليه، فإن أي لجنة لا تنطلق من هذا الإطار الفكري المتوازن ولا تستبطن روحه القائمة على الجمع بين النص والمقصد وبين الحزم والحكمة فإنها تبقى قاصرة عن تحقيق نفس الأثر، مهما حسنت نوايا أعضائها
لقد كان الشيخ عبد الله بن بيه في حقيقة الأمر هو اللجنة الفكرية الكبرى التي مهدت الطريق لكل هذه الحوارات وهو المرجعية التي أعطت للمقاربة الموريتانية مصداقيتها ونجاعتها. وما اللجان اللاحقة إلا امتداد بدرجات متفاوتة لذلك التأسيس الأول
ومن هنا فإن تقييم أي تجربة حوارية ينبغي أن ينطلق من مدى اقترابها أو ابتعادها عن هذا النهج لا من خلال الأشخاص فقط، لأن الأفكار هي التي تصنع النتائج لا العناوين
وفي المحصلة فإن الإنصاف يقتضي القول إن الثمرة الحقيقية لهذا المسار تعود إلى ذلك الجهد العلمي العميق الذي سبق اللجان وأسس لها ووجهها وجعل نجاحها ممكنا
فحين يُذكر ترسيخ السلم ومواجهة التطرف في العالم الإسلامي المعاصر فإن اسم العلامة الشيخ عبد الله بن بيه يبرز بوصفه أحد أبرز العقول التي لم تكتفِ بالتشخيص بل أسست لمنهج متكامل في العلاج قائم على الفقه العميق للواقع والإدراك الدقيق لمآلات الأفكار.
لقد أدرك الشيخ مبكراً أن التطرف ليس مجرد انحراف سلوكي بل هو خلل في بنية الفهم واضطراب في ترتيب المقاصد واختلال في تنزيل النصوص على الواقع ومن هنا جاءت مساهمته النوعية في إعادة بناء الخطاب الديني على أسس راسخة من التأصيل العلمي، الذي يعيد الاعتبار لمقاصد الشريعة ويوازن بين النصوص، ويربط الجزئيات بالكليات، بعيداً عن القراءات المجتزأة التي غذّت تيارات الغلو
ولم يكن مشروع التجديد والترشيد الذي قاده منذ 2008 مجرد مبادرة فكرية آنية بل كان إعلانا مبكرا عن مدرسة متكاملة في مقاومة التطرف قوامها ثلاثية واعية تأصيلٌ يعيد ضبط المفاهيم وتوصيلٌ يضمن وصول الخطاب المعتدل إلى الناس وحوارٌ يفتح الأبواب أمام المراجعات بدل الإقصاء. وهي ثلاثية أثبتت التجربة الموريتانية لاحقاً أنها من أنجع الأدوات في تفكيك خطاب العنف
لقد أسهم #الشيخ_عبد_الله_بن_بيه بعلمه وهدوئه ورصانته في نقل المعركة من مربع المواجهة الأمنية الصرفة إلى فضاء أرحب حيث تُخاض معركة الوعي بالحجة والبرهان لا بالشعارات والانفعالات فكان صوته من الأصوات القليلة التي استطاعت مخاطبة الشباب بلغة العلم ومخاطبة الدولة بلغة الحكمة والجمع بينهما في رؤية واحدة تحفظ الدين وتصون الأوطان
ولعل من أبرز ما يميز هذا النهج أنه لم ينفصل يوماً عن الدولة الوطنية بل اعتبر استقرارها شرطاً لازماً لحفظ الدين والمجتمع، وهو ما جعل خطاب الشيخ بعيداً عن المزايدات قريباً من روح المسؤولية رافضاً لكل أشكال التبرير للعنف أو الغطاء الشرعي للفوضى
إن التجربة الموريتانية في مكافحة التطرف لم تكن لتبلغ ما بلغته لولا هذا التأسيس الفكري العميق الذي وفر لها أرضية صلبة جعلت من الحوار ممكنا ومن المراجعات واقعية ومن إعادة الإدماج خياراً ناجحا وهي تجربة تؤكد أن العلماء حين يقومون بدورهم الحقيقي يصبحون خط الدفاع الأول عن المجتمعات.
وفي زمن تتكاثر فيه خطابات التشدد والانقسام يظل مشروع العلامة عبد الله بن بيه شاهدا على أن الاعتدال ليس موقفاً وسطاً ضعيفا بل هو اختيار علمي شجاع يحتاج إلى بصيرة وصبر وعمق في الفهم وهو ما جعل من هذا العالم الموريتاني الكبير أحد أبرز رموز السلم الفكري في عالم مضطرب وأحد الذين أسهموا بصمت وثبات في حماية العقول قبل الأوطان
زر الذهاب إلى الأعلى