المستعرضثقافي

الكنتي في نقد مذكرات ولد الوالد: تناقضات الرواية وتحولات الولاء

يركز الدكتور إسحاق الكنتي، في ثلاثيته النقدية لمذكرات محفوظ ولد الوالد، على تفكيك الرواية التي يقدمها الأخير عن تجربته مع تنظيم القاعدة، معتبرًا أن المذكرات تتضمن تناقضات وثغرات زمنية وروايات يصعب التوفيق بينها، كما يسعى إلى إعادة قراءة الدور الذي ينسبه ولد الوالد لنفسه داخل التنظيم وعلاقته بأسامة بن لادن.

ويبدأ الكنتي من مسألة صفة «المجاهد»، منتقدًا تصوير ولد الوالد لرحلته الأولى إلى أفغانستان باعتبارها تجربة جهادية، بينما يقول إنه لم يتلق تدريبًا عسكريًا ولم يشارك في القتال، واقتصر نشاطه، بحسب المذكرات، على الوعظ والدروس وزيارة المضافات والمعسكرات.

ثم ينتقل إلى موقف ولد الوالد من الجماعات التي كانت تقاتل أنظمة عربية، متسائلًا عن الأساس الذي جعله يصفها بـ«المجاهدين»، في الوقت الذي كان فيه ينتقد القتال الداخلي بين الفصائل الأفغانية. ويرى الكنتي أن هذا الاستخدام للمصطلح يكشف، في تقديره، عن منظور تكفيري انتقل فيه مفهوم الجهاد من مواجهة الاحتلال إلى الصراع داخل المجتمعات والدول المسلمة.

ويولي الكنتي أهمية خاصة للدور الذي يقول ولد الوالد إنه لعبه داخل تنظيم القاعدة. فالمذكرات تمنحه موقعًا مؤثرًا لدى أسامة بن لادن، من خلال المشورة والنصح، والمشاركة في مجلس الشورى، والنظر في بعض المسائل المالية، ووضع برامج تربوية للتنظيم. ويتساءل الكنتي عن المؤهلات والخبرة التي كانت تؤهل شابًا في تلك المرحلة لتقديم المشورة لحكومة السودان أو تولي مهام شرعية وتنظيمية بهذا المستوى.

«أخونة» القاعدة

المحور الأبرز في قراءة الكنتي هو ما يصفه بمحاولة «أخونة القاعدة». فهو يرى أن ولد الوالد حاول التأثير في بن لادن للابتعاد عن العمل العسكري وتحويل التنظيم تدريجيًا إلى مشروع دعوي وتربوي واستثماري أقرب إلى النموذج الإخواني.

ويستند الكنتي إلى ما يورده ولد الوالد نفسه عن تأثيره في بن لادن، وعن تأسيس «هيئة النصيحة والإصلاح»، والاهتمام بالإعلام والتربية والاستثمار، ووقف الدعم العسكري لبعض الجماعات المصرية التي كانت على خلاف مع الإخوان.

كما يبرز الكنتي اختلافًا في تصور الرجلين لطبيعة التنظيم: بن لادن، في قراءته، كان ينظر إلى القاعدة باعتبارها تنظيمًا جهاديًا مقاتلًا، بينما كان ولد الوالد يسعى إلى دفعها نحو العمل الدعوي والتربوي والمدني.

لغز الاستثناء من الإبعاد

ويخصص الكنتي مساحة واسعة لما يعتبره أحد أبرز الأسئلة في المذكرات: لماذا استُثني ولد الوالد من قرار إبعاد التنظيمات الجهادية من السودان؟

فولد الوالد يقول إن ارتباطه ببن لادن لم يكن قد اشتهر بما يكفي ليشمله قرار الإبعاد، بينما تقدم المذكرات نفسها، بحسب الكنتي، صورة لشخص كان قريبًا جدًا من بن لادن، يحضر اجتماعات مجلس الشورى، ويشارك في بعض شؤونه، ويتولى تحرير رسائل له وترتيب لقاءاته.

ومن هنا يرى الكنتي أن تفسير الاستثناء الذي يقدمه ولد الوالد غير مقنع، ويطرح بدلًا منه أسئلة حول طبيعة علاقته بالأجهزة السودانية والملف الذي أُعد عنه لتقديمه إلى الأمريكيين.

التناقضات الزمنية

أشد أجزاء النقد حدة تتعلق، بحسب الكنتي، بتسلسل الأحداث والتواريخ.

فهو يقارن بين تواريخ يوردها ولد الوالد حول بقائه في السودان، وسفره إلى أفغانستان، ومناقشة رسالته الجامعية، ومحاولة مراقبته أو استهدافه، ثم يعود إلى مذكراته ليجد روايات زمنية يرى أنها لا تنسجم مع بعضها.

ومن أبرز ما يثيره الكنتي أن ولد الوالد يتحدث عن أحداث وقعت في الخرطوم في أواخر 1998، في حين تذكر المذكرات نفسها أنه غادر السودان إلى أفغانستان في مارس 1997، دون أن تقدم، وفق قراءة الكنتي، ما يثبت عودته إلى السودان بين التاريخين.

ويعتبر الكنتي أن هذه التناقضات لا تمثل مجرد أخطاء في التوثيق، بل تمس تماسك الرواية الأساسية للمذكرات.

رواية المطاردة والاستخبارات

ينتقد الكنتي كذلك رواية ولد الوالد عن مراقبته من قبل أجهزة استخبارات أجنبية، ومحاولة اختطافه أو اغتياله، ثم قصة اكتشاف خلية تجسس في الخرطوم بالتعاون مع الأمن السوداني.

ويتعامل الكنتي مع هذه الرواية بسخرية واضحة، معتبرًا أن بعض تفاصيلها أقرب إلى سيناريو بوليسي منها إلى رواية موثقة، خصوصًا عندما يقدم ولد الوالد تفاصيل دقيقة عن تحركات خلية التجسس رغم أنه يقول إنه لم يكن حاضرًا في موقع العملية.

كما يتوقف عند رواية خروجه من السودان بجواز سفر آخر، متسائلًا عن كيفية مغادرة شخص يخضع للمراقبة الأمنية عبر مطار الخرطوم دون أن تكتشف السلطات هويته أو وثيقة سفره.

التحول من القاعدة إلى طالبان

يرى الكنتي أن الجزء الثاني من المذكرات يكشف، في روايته، عن تحول تدريجي في ولاء ولد الوالد وموقعه التنظيمي.

فبعد خلافه المتزايد مع بن لادن حول العمل العسكري، وتقاربه مع قيادة طالبان، بدأ، بحسب قراءة الكنتي، يمهد للخروج من القاعدة، قبل أن يستقيل رسميًا في يوليو 2001.

ويبرز الكنتي بشكل خاص موقف ولد الوالد المعارض للعمليات التي كان بن لادن يعد لها ضد الولايات المتحدة، معتبرًا أن ذلك يمثل ذروة الخلاف بين الرجلين.

السؤال الأكبر: ماذا عن 11 سبتمبر؟

ينتهي الكنتي إلى نقطة يعتبرها شديدة الدلالة: استقالة ولد الوالد من القاعدة قبل هجمات 11 سبتمبر 2001 بشهرين تقريبًا، ثم ما يقوله الكنتي عن قصيدة كتبها ولد الوالد بعد الهجمات وأشاد فيها بالعملية، قبل أن لا يوردها في مذكراته، وفق رواية الكنتي.

وهنا ينتقل النقد من مجرد رصد التناقضات إلى التساؤل عن الانتقائية في كتابة الذاكرة: ما الذي اختار ولد الوالد إدخاله في المذكرات؟ وما الذي اختار إسقاطه؟ وهل تقدم المذكرات الرواية الكاملة لتجربته أم رواية منتقاة تعيد ترتيب موقعه في تاريخ القاعدة؟

الخلاصة

يمكن اختصار مشروع الكنتي النقدي في ثلاثية رئيسية:

أولًا: تفكيك صورة «المجاهد» التي يقدمها ولد الوالد عن نفسه، وإبراز ما يراه الكنتي من فجوة بين الوصف والوقائع التي توردها المذكرات نفسها.

ثانيًا: التشكيك في تماسك الرواية عبر إبراز التناقضات الزمنية، وروايات المطاردة والاستخبارات، وظروف الاستثناء من الإبعاد من السودان.

ثالثًا: إعادة تفسير موقع ولد الوالد داخل القاعدة؛ فبدل الصورة التي قد توحي بها المذكرات لشخصية جهادية مركزية، يرسم الكنتي صورة مختلفة: شخصية ذات خلفية إخوانية حاولت التأثير في القاعدة وتغيير مسارها من تنظيم قتالي إلى تنظيم دعوي وتربوي، ثم اختلفت مع بن لادن وغادرت التنظيم قبل 11 سبتمبر، مع بقاء أسئلة معلقة حول مواقفها اللاحقة.

وبذلك لا يقدم الكنتي مجرد نقد لمذكرات شخصية، وإنما يحاول، من خلال مقارنتها بالتواريخ والوقائع وبما يقوله ولد الوالد نفسه، إعادة بناء سؤال أكبر: هل مذكرات محفوظ ولد الوالد رواية كاملة لمساره داخل القاعدة، أم إعادة صياغة لاحقة لدورٍ كان أكثر تعقيدًا مما ترويه المذكرات؟

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى