
يجري تداول برقية دبلوماسية أمريكية تعود إلى عام 2009، منشورة ضمن وثائق ويكيليكس، في محاولة لربط وزير الدفاع الموريتاني حننا ولد سيدي وابن اخيه محمد محمود ولد سيدي بملفات تهريب السلاح والوقود والمخدرات، وربط ذلك بما يجري اليوم في باسكنو.
غير أن العودة إلى نص البرقية نفسها تكشف أن تقديمها باعتبارها «وثيقة تثبت التورط» يتجاوز بكثير ما ورد فيها.
فالبرقية تنقل معلومات منسوبة إلى مصدر تحدث عن مزاعم بشأن دعم سناتور باسكنو آنذاك محمد محمود ولد سيدي للطوارق، لكنها تقول صراحة إن المصدر لم يكن لديه دليل على ذلك. أما حننا ولد سيدي، فقد ورد اسمه في السياق نفسه على أساس مزاعم تتعلق بالانتماء الاجتماعي، وليس باعتباره متورطاً في عملية تهريب محددة أو مسلحاً أو ممولاً لجماعة مسلحة.
والأهم أن مسار حننا ولد سيدي خلال السنوات اللاحقة يقدم معطيات موثقة يصعب تجاهلها عند تقييم هذه المزاعم.
ففي يوليو 2018، اختير اللواء حننا ولد سيدي قائداً للقوة المشتركة لمجموعة دول الساحل الخمس، وهي القوة التي أنشئت لتعزيز التعاون الإقليمي في مواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة العابرة للحدود. وقد وثقت الأمم المتحدة رسمياً تعيينه في هذا المنصب.
ولم يكن هذا المنصب مجرد تعيين داخلي موريتاني، بل جاء في إطار منظومة أمنية إقليمية ودولية شاركت فيها الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وفرنسا والولايات المتحدة. وخلال توليه قيادة القوة، شارك حننا ولد سيدي في اجتماعات مع ممثلي الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي حول العمليات المشتركة ومواجهة الجماعات الإرهابية وتعزيز التنسيق الأمني.
كما ارتبط اسمه لاحقاً بسلسلة من اللقاءات الرسمية مع كبار المسؤولين الأمنيين والعسكريين الأمريكيين.
ففي أكتوبر 2023 استقبل قائد القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا AFRICOM، الجنرال مايكل لانغلي، وبحث معه التعاون العسكري والأمني بين موريتانيا والولايات المتحدة.
وتكرر التواصل مع السفارة الأمريكية في مناسبات لاحقة، من بينها لقاءات 2024 و2025 و2026، كان موضوعها المعلن تعزيز التعاون الدفاعي والأمني بين البلدين.
كما شملت اتصالاته شركاء أوروبيين، وفي مقدمتهم فرنسا، في إطار التعاون العسكري والدفاعي ومواجهة التهديدات الأمنية في منطقة الساحل.
وبالتالي، فإن وضع برقية دبلوماسية تعود إلى عام 2009، وتقوم في جانب أساسي منها على معلومات منقولة بلا دليل، في مواجهة سجل موثق يمتد لسنوات من التعاون مع الولايات المتحدة والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وفرنسا في مكافحة الإرهاب، يحتاج إلى قدر كبير من الحذر قبل تحويل المزاعم القديمة إلى «حقائق».
والأهم أن تعيين حننا ولد سيدي قائداً للقوة المشتركة لمجموعة دول الساحل الخمس سنة 2018 لم يكن قراراً موريتانياً منفرداً، بل جاء ضمن آلية إقليمية ودولية لمواجهة الإرهاب في الساحل، وهو ما تؤكده وثائق الأمم المتحدة ومصادر دولية متعددة.
لذلك، فإن السؤال الصحفي الموضوعي ليس: «ماذا قالت برقية مجهولة المصدر قبل 17 عاماً؟» فقط، وإنما أيضاً: ماذا حدث خلال السنوات التي تلتها؟ ومن تعامل مع حننا ولد سيدي؟ ومن أوكل إليه قيادة قوة إقليمية لمكافحة الإرهاب؟
هذه الوقائع لا تعني بطبيعة الحال أن أي مسؤول فوق المساءلة أو أن التحقيقات الحالية في باسكنو ينبغي أن تتوقف. لكنها تعني أن المزاعم الواردة في برقية دبلوماسية قديمة لا يجوز تقديمها للرأي العام باعتبارها أحكاماً قضائية أو أدلة قاطعة على التورط.
رؤيا بوست/ المامي جدو