لم تكن حرائق محطتي الكهرباء في نواكشوط مجرد حادث فني عابر، فقد كشفت نتائج التحقيق المستقل عن ملف تتقاطع فيه الأسئلة الفنية مع جوانب مالية وإدارية وتعاقدية بالغة الحساسية.
واللافت أن هذه اللجنة تعد من أبرز لجان التحقيق الوطنية التي استعانت بخبرة دولية متخصصة ومستقلة، من خلال خبراء المكتب السويسري ECG والمكتب الألماني INTEC، إلى جانب أعضاء من أجهزة الرقابة والصفقات والطاقة.
وقد أعاد التحقيق بناء مسار المشروع من التصميم إلى التنفيذ، ليكشف، وفق ما أعلنه رئيس اللجنة، عن سلسلة من الأخطاء والإهمال، وأعمال أنجزت بصورة سيئة أو لم تنجز، فضلًا عن ضعف مؤسسي داخل «صوملك» وغياب مواكبة استشارية لمشروع بهذا الحجم.
الأكثر إثارة أن الصفقة التي ارتبطت بالأشغال بلغت 124.226 مليون أوقية جديدة، أي أكثر من 1.24 مليار أوقية قديمة، مقابل تقدير أولي بلغ 880 مليون أوقية، مع تحديد مدة تنفيذ لا تتجاوز أربعة أشهر.
ثم جاءت الوقائع لتطرح سؤالًا أكبر حول واقعية ذلك الأجل، إذ تحدث التحقيق عن عدم استلام المشروع حتى بعد مرور 19 شهرًا، بينما كان مقررا إنجازه خلال أربعة أشهر. كما أثارت عملية إسناد الصفقة، وأهلية الشركة وخبرتها الفنية، وطلب تغيير الشركة المصنعة للكابلات، وعدم تقديم اختبار النوع المطلوب، أسئلة جدية حول شفافية المسار التعاقدي.
وتزداد حساسية الملف بالنظر إلى أن الشركة المنفذة، CTM Bâtiment، تعود ملكيتها، وفق المعطيات المتداولة، إلى رجل الأعمال والنائب البرلماني خطاري ولد دحود، وهو نائب عن دائرة نواكشوط الشمالية تم التصويت له للدفاع عن مصالح الشعب.
لكن لا ينبغي تحويل هذه الحقيقة وحدها إلى اتهام، رغم انها تجعل من المشروع أمرًا طبيعيًا أن تخضع كل تفاصيل الصفقة، من التأهيل إلى الإسناد والتنفيذ، لأقصى درجات التدقيق والشفافية.
لقد كشفت اللجنة، في الواقع، عن أسئلة تتعلق بالأهلية، والآجال، وتغيير مصدر الكابلات، والرقابة، ومسار الصفقة، وهي أسئلة لا يمكن اختزالها في مجرد عطل تقني.
وفي المقابل، فإن تشكيل لجنة مستقلة والاستعانة بخبراء أجانب، ثم إحالة نتائجها إلى أعلى هرم السلطة، يمثل مسارًا رسميًا للتحقق من ملابسات ما حدث وتحديد المسؤوليات. وقد وجّه رئيس الجمهورية، اليوم، الحكومة إلى تنفيذ التوصيات الواردة في التقرير، وإلى نشره وإتاحته للرأي العام حتى يطلع المواطنون على نتائجه وتوصياته.
وهذا هو الجانب الأهم في القضية: أن تتحول الكارثة إلى درس مؤسسي، وأن لا تتوقف المحاسبة عند معرفة كيف اشتعلت المحطتان، بل تمتد إلى معرفة كيف أُسندت الصفقة، وكيف قُيّمت الشركة، ومن راقب التنفيذ، ومن سمح باستمرار الاختلالات، ومن يتحمل المسؤولية عن كل تقصير يثبته التحقيق.
لقد دفعت نواكشوط ثمنًا باهظًا لهذه الحرائق، وعاشت أيامًا تحت وطأة انقطاع واسع للكهرباء، فيما بذلت الجهات المعنية جهودًا متواصلة لإعادة التيار وتأمين الخدمات الحيوية، وهو ما أكدت الحكومة أنه كان من أولويات التدخل منذ اللحظات الأولى.
ولذلك فإن قيمة هذا التحقيق لا تكمن فقط في تفسير سبب الحريقين، وإنما في كشف ما كان خلفهما من اختلالات محتملة. أما الخطوة الحاسمة الآن، فهي أن تتحول نتائج التقرير إلى إجراءات واضحة، وأن يُحاسب كل من تثبت مسؤوليته، دون انتقائية، وأن تصبح سلامة الشبكة الكهربائية والمال العام فوق أي اعتبار.